الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كلا بل ران

حسين المحروس · القطيف اليومالأربعاء 15 أكتوبر 2025، 9:41 ص
كلا بل ران

كأنّ الإيمان كائنٌ من نور، يسكن القلب ما دام القلب نقيًّا طاهرًا، ويغادره حين تتكدّس عليه غيومُ الشهوة وضبابُ الغضب. لحظةُ المعصية ليست سوى انطفاءةٍ عابرة في مصباح الوعي، انجرارٌ خلف سرابٍ يصنعه الشيطان. هناك، يبهت ضوءُ الروح، ويتراجع النقاء، وتعمّ عتمةٌ مؤقّتة من نسيان الله ونسيان الحق. في تلك اللحظة لا يكون الإنسان كافرًا، بل غريبًا عن ذاته، تائهًا في صخب الغرائز التي تطغى فتطمس ملامح إيمانه كما يطمر الرمل أثرَ الخطوة الأولى في الصحراء.

الإيمان لا يُؤخذ دفعةً واحدة، ولا يُفقد دفعةً واحدة. إنّه نَفَسٌ يتردّد في القلب بحسب صفائه. فإذا غلبت الشهوة أو اشتعل الغضب، ضاق الصدر على النور، وتسلّل الظلام إلى مسامّ الروح. ثم إذا سكنت العاصفة، وعاد الصحو، عاد الإيمان كما تعود الحمامة إلى عشّها بعد مطرٍ غزير، تنفض عن ريشها بقايا البلل وتستأنف تغريدها.

الخطر في الذنب ليس في السقوط، بل في الإقامة فيه. فالمعصية إن طالت صارت عادة، والعادة تصير هوية، والهوية تصير قيدًا لا يُكسر. حينها يتخشّب القلب ويتحجّر، ويغدو طريق العودة بعيدًا، كمن أراد أن يسمع صوت البحر من أعماق الجبل. أمّا المؤمن الذي يذنب ثم يبادر ويستغفر، فهو كمن يعبر الطين ثم يغتسل بالماء، يعود نقيًّا كما بدأ. وأمّا الذي يُقيم في المعصية، فإنّ نار الهوى تبخّر ماءه، وتترك قلبه رمادًا لا يُزهر.

تخبرنا الروايات أنّ روح الإيمان تُغادر العاصي ساعةَ ذنبه، لا لأنّ الله يهجره، بل لأنّه هو من أغلق باب التوبة على نفسه. فالروح لا تسكن قلبًا مزدحمًا بالصخب، والنور لا يثبت في غرفةٍ اغلقت نوافذها. وحين يطول الغياب، يألف القلبُ الظلمة، حتى يصير كخفّاشٍ يعشق الليل ويستوحش النهار.

وكما يصدأ الحديد إن تُرك في الرطوبة، يصدأ القلب إن غُمس في اللذة بلا توبة. والصدأ لا يأتي فجأة، بل يتراكم طبقةً فوق طبقة، حتى يغدو الإيمان غريبًا في وطنه، يبحث عن عشّه فلا يجده. وعندها يتهكّم الإنسان من الحق وهو لا يشعر، ويكذّب آيات الله بفعله وبلسانه. “ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ”.

القلب الطاهر لا يليق به أن يُثقل بالذنوب، لأنّ كمال الإيمان مقامٌ لا يناله إلا المطهَّرون. كلّ معصيةٍ، مهما بدت صغيرة، هي خدشٌ في زجاج الروح، فإذا تكاثرت الخدوش، لم يعد الزجاج يرى الضوء كما كان، بل يعكسه متكسّرًا، باردًا، شاحبًا.

الإيمان إذن ليس فكرةً تُحفظ، بل حياةٌ تُعاش. هو نَفَسُ الصدق حين يضيق الهواء، ونورُ الخوف حين يقترب الغياب. من يفقده لا يفقد علمًا، بل يفقد قلبًا يضيء. عندها يمشي في الظلمة وهو يظنّ أنّه على نور، فيدخل في نفق مكر الله (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا).