الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من منا يقامر؟

عبد الله آل نوح · القطيف اليومالثلاثاء 18 نوفمبر 2025، 12:43 م
من منا يقامر؟

قد يظن البعض أن المقامرة فعل يقتصر على من يجلس إلى طاولة لعب في كازينو، محاطًا بالأضواء والرهانات والوجوه المتوترة بانتظار ضربة حظ تغيّر حياته. غير أن الحقيقة أن المقامرة لا تحتاج إلى طاولة ولا أوراق، بل تبدأ حين يتخلى الإنسان عن التفكير، ويجعل قراراته المصيرية رهينة الصدفة بدل الدراسة، ويُقدم على الخطوة دون إدراك إلى أين تقوده.

المقامرة ليست دائمًا في المال؛ فقد تكون في القرار، في العلاقة، في الثقة، في المستقبل، وفي كل فعل نُقدم عليه دون حسابٍ أو رؤية واضحة. كل خطوة بلا وعي بالعواقب هي رهانٌ على المجهول، وكل فعل غير محسوب هو مقامرة مؤجلة. كم من شخص راهن على كلمات الآخرين دون أن يحتكم إلى عقله، فوجد نفسه في طريق لا رجعة فيه؟ وكم من آخر أقنع نفسه بأن “الحظّ” سيقف معه، فخسر ما لا يُعوَّض؟

المقامر هو من يؤمن بالحظ أكثر مما يؤمن بالسبب والنتيجة، من يتوهم أن الحياة ستنصفه بلا جهد، وأن الأبواب ستُفتح له لمجرد أنه يريد ذلك. وتظهر المقامرة في المال حين يضع أحدهم مدخراته في مشروع لمجرد ما سمعه عنه، دون دراسة أو استشارة. وفي الاستثمار، حين يشتري سهمًا لأنه ارتفع بالأمس، أو يدخل تجارة لا يعرف عنها سوى الاسم.

وإذا كان المال يُعوّض، فماذا عن القلب؟ في العلاقات، يقامر البعض بأغلى ما يملك. يمنح ثقته لمن لم يختبره، أو يسامح من لا يستحق، معتقدًا أن العاطفة وحدها قادرة على إصلاح كل شيء. لكن الحب بلا وعي وبصيرة مقامرة عاطفية قد تترك في الداخل كسورًا لا يقاس أثرها.

وفي القرارات المصيرية، يمارس بعض الناس المقامرة حين يتصرف بدافع الغضب أو الحماس أو التحدي دون أن يزن الأمور بعقل هادئ. يترك عملًا، أو ينهي شراكة، أو يفرّط في علاقة، ثم يكتشف أن قراره كان رمية نرد لا رؤية واعية. فليس كل اندفاع شجاعة، ولا كل جرأة بطولة؛ فالمغامر يدرس المخاطر، بينما المقامر يعيش على أمل أن “الأمور ستسير”. الشجاعة أن تواجه المجهول بعد أن تعرفه، لا أن تقفز نحوه مغمض العينين.

حتى في الطموح، قد يتحول الإنسان إلى مقامر حين يستعجل الوصول، ويبحث عن القمة دون صعود، ويريد النتيجة دون الطريق. حين يحلم بالنجاح دون أن يعمل من أجله، يصبح كمن يضع عمره كله في رهان واحد على حظ مجهول. فالطموح الناضج يحتاج إلى تخطيط وصبر ومرونة، أما الطموح الأعمى فهو مقامرة تختلف عن لعب الورق في الشكل فقط.

المقامرة في جوهرها ليست مجرد ترفيه، بل سلوك فكري. من يتخذ قراراته دون تأنٍ، من يبني مستقبله على الأمل دون عمل، من يكرر الأخطاء منتظرًا نتيجة مختلفة، هو المقامر الحقيقي وإن لم يرتدِ قميص لاعب القمار يومًا. فالمقامر لا يخسر ماله فقط، بل يخسر استقراره ووقته وثقته بنفسه.

التخطيط لا يعني الخوف، والتأني لا يعني التردد، بل هو وعي بأن الحياة ليست لعبة حظ، وأن الفرص لا تُغنم بالتسرع بل بالاستعداد. قد يزور الحظ الإنسان مرة، ولكن الفرص التي يصنعها بعقله وقراره هي التي تبقى.

احسب قبل أن تُقدم، فالمستقبل لا يحتمل إعادة المحاولة. لا تُسلم مصيرك للصدفة، ولا تجعل قراراتك رمية نرد على طاولة مجهولة. النجاح لا يأتي لمن ينتظر أن يحدث، بل لمن يصنعه خطوة بخطوة.

من يزرع بعقل يحصد بفرح، ومن يقامر بعمره يجني الندم، ولو ظنّ أنه كان يحلم.