رحلة الإنسان مع ذاته (6)

رصيد حياتي:
محطات الضعف والآلام النابعة من الأزمات والظروف الحياتية الصعبة يخرج منها الإنسان بثوب وصبغة تختلف عما قبلها، وذلك أن من يمتلك الوعي والإرادة القوية يحسن استثمار تلك المحطات، ويخرج منها بمجموعة من الملاحظات والدروس، يكرّسها كعلامات مهمة يلتفت إليها ويراعيها في المراحل المستقبلية. ففهم الحياة وتموجاتها لا ينشأ من فراغ، بل هو تجارب وخبرات يكتسبها ويطبقها على أرض الواقع. وهناك من تبقى مسيرته السقوط في حفرة وأخرى، وهكذا دواليك، بسبب أنه لم يستوعب الدروس الحياتية، ولم يكتسب تلك القدرة على فهم الأزمات وطرق التعامل معها والتعافي منها بعد العمل بجدية. ولذلك فإن كل تجربة صعبة يمكن أن تتحول إلى رصيد من الخبرة إذا أُحسن التعامل معها، وأجاد معادلاتها وعواملها، وحوّلها إلى نقطة من رصيده المعرفي والسلوكي.
ومن تلك العوامل المعينة على تحقيق تحول جذري وتغيير إيجابي مثمر، هو النظر إلى الأزمات كجزء من حياته، وباب من أبواب التعلم والمعرفة، وأن يتخلّص من تلك الأفكار السوداوية، كمسألة الانتقائية في الحظوظ، وعقد المقارنات بشكل سلبي يلقي عن نفسه مسؤولية المعالجة. بل ويختلق بعضهم التبريرات الواهمة، ويسقطها على الآخرين. فالنظرة الحقيقية للمحطات الصعبة والأزمات هي أنها ميدان لاختبار إرادته ومدى صبره وصموده، إذ إن طريقة التفكير وبوصلتها كثيرًا ما تحدّد نتيجة التجربة وتحكم عليها قبل انتهائها.
وميدان العمل لمعالجة الأزمات والشدائد والعراقيل يحتاج إلى مبدأ تحمّل المتاعب والصعوبات والآلام المصاحبة للمشكلة، فتلك التحولات الكبرى المنعقدة في رسمها في ذهنه لا تحدث فجأة، وإنما تبدأ من مرحلة التمسك بخيط الأمل والنظرة الصائبة للأزمات؛ لينطلق بعدها متنقّلًا من مرحلة إلى أخرى حتى يصل إلى هدفه ومبتغاه، ويعالج أوجه النقص والخطأ.
فالإنسان لا يصبح أكثر صلابة بمجرد تعرضه للأزمة، وإنما حين يثابر على التعلم منها، ويكرّر محاولاته، ويصحّح أخطاءه، ويواصل السير دون توقف أو تراجع رغم العثرات. فعدم التأثر بالمصاعب يعني القدرة على استعادة التوازن بعد الاضطراب، والعودة إلى العمل بعد التعثر، والاستمرار في البناء رغم وجود الألم.
فالإنسان لا يقاس بعدد المرات التي سقط فيها، وإنما بقدرته على تحويل كل سقوط إلى خطوة جديدة نحو الارتقاء. فالحياة تمنح الناس في كل محنة فرصة لاكتشاف أنفسهم من جديد، فقوى الإنسان تنطلق وتنمو وتصقل في وسط الصعاب والأزمات التي يعمل جاهدًا على تجاوزها بحكمة وصبر، فيغدو بعد تلك المرحلة الصعبة أكثر نضجًا، وأقدر على صناعة مستقبله بثقة وأمل وتطلّع.
فالأزمات والإخفاقات ليست بنهاية الطريق، بل هي مجموعة من التنبيهات والدروس التي تلتقطها أذن الإنسان الواعي، وتمنحه فرصة وخبرة لا يمكن الظفر بها في سهول النجاحات.



