الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لا تعطِ الآخرين أكثر من حقهم

إسماعيل هجلس · القطيف اليومالخميس 16 يوليو 2026، 12:19 م
لا تعطِ الآخرين أكثر من حقهم

كم مرة رأيت منتجاً أو عملاً مبهراً، أو صورة متقنة، أو منحوتة جميلة، أو مشروعاً احترافياً، فقلت في نفسك: “هذا شخص استثنائي ! موهبته لا تُضاهى”؟ وربما ذهبت أبعد من ذلك، فبدأت تقارن نفسك به، وتشعر أن ما لديك أقل، وأنك لن تصل إلى مستواه مهما اجتهدت ، لكن الحقيقة في كثير من الأحيان مختلفة ، فخلف كل عمل ناجح أدوات، وتقنيات، وخبرات، ودورات تدريبية، ومستشارون، ونقاشات ، وأصدقاء، وتجارب طويلة، وأسرار مهنية يتداولها أهل الاختصاص ، والذكاء الحقيقي ليس أن تعمل وحدك، بل أن تعرف كيف تستفيد من كل وسيلة تختصر عليك الوقت، وترتقي بعملك.

لقد كشف الذكاء الاصطناعي جانباً كبيراً من هذا العالم ، فاكتشفنا أن كثيراً من المحترفين في الإنتاج الفني ، و التصوير، والتصميم، والنحت، والنجارة، والرسم، والديكور ، وصناعة المحتوى، وغيرهم، لا يعتمدون على الموهبة وحدها، بل يستخدمون أدوات وتقنيات متقدمة تساعدهم على إخراج أعمالهم بصورة أجمل وأسرع وأكثر احترافية ، ولهذا ، لا تعطِ الآخرين أكثر من حقهم، ولا تظلم نفسك في الوقت نفسه.

قبل أن تقول: “فلان أذكى مني”، أو “موهبته لا يمكن الوصول إليها”، اسأل نفسك: ماذا يستخدم؟ ماذا تعلم؟ من دربه؟ ما الأدوات التي يستعين بها؟ وما حجم التجارب التي مر بها؟

ستكتشف أن الفارق في كثير من الأحيان ليس في الذكاء، وإنما في المعرفة، وفي التدبير و حسن استثمار الوسائل ، ولا عيب أن تستخدم برامج متقدمة، أو تستفيد من الذكاء الاصطناعي، أو تتعلم على يد محترفين، أو تستشير أصحاب الخبرة ، فالنجاح لا يُقاس بصعوبة الطريق، وإنما بجودة النتيجة، وصدق صاحبها.

وهم النجاح
بل إن التظاهر بأن كل ما تحقق جاء من الموهبة وحدها، وإخفاء الأدوات والتقنيات التي ساهمت في النجاح، قد يكون أكثر إيلاماً عندما يكتشف الناس الحقيقة لاحقاً ، أما أن تكون واضحاً و صريحاً فتقول: نعم، استخدمت هذه التقنية، واستفدت من هذا البرنامج، وتعلمت من هذا المدرب، فذلك لا ينتقص من قيمتك، بل يزيدك احتراماً ومصداقية ! قدّم أعمالك ومنجزاتك بعد التدقيق والمراجعة، وأخرجها بأفضل صورة ممكنة، ولا تخشَ المقارنات ، فالمقارنة الحقيقية ليست بينك وبين غيرك، بل بين مستوى عملك اليوم ومستواه بالأمس.

وإذا سألك أحد عن سر جودة أعمالك، فتحدث بثقة، واذكر ما تعرفه قدر الإمكان من تطبيقات و أدوات وتقنيات وأساليب تعلم ، لا تحتكر المعرفة، ولا تتعامل معها وكأنها سر لا يجوز كشفه ، فالخبير الحقيقي لا يخشى أن يعلّم غيره، لأنه يعلم أن الإبداع لا يُختزل في أداة، وأن العلم كلما انتشر ارتفعت قيمة صاحبه.

وعلى فكرة !
كثير ممن يشاهدون أعمالك الصناعية و الفنية ، و منحوتاتك، أو لوحاتك، أو صورك، أو مشاريعك المعمارية ، يمتلكون من الخبرة ما يكفي لقراءة تفاصيلها ، يستطيعون تمييز التقنية المستخدمة، وربما يعرفون البرنامج، أو العدسة، أو نوع الخامة ، ونوع الحبر والورق ، أو أسلوب التنفيذ ، لذلك لا تظن أن كل الأسرار يمكن إخفاؤها، فالمتخصص يقرأ العمل كما يقرأ الطبيب الأشعة، وكما يقرأ المهندس المخطط ! لكن، ورغم كل ذلك، يبقى هناك سر لا يمكن لأحد أن يسرقه منك.

إنها بصمتك وروحك وَنَفَسك .
تماماً كما نعرف صاحب الصوت من أول كلمة، أو نميز القارئ أو المنشد من نبرة صوته، أو نعرف الكاتب من أسلوبه، فإن للأعمال الفنية بشكل عام ، أيضاً بصمة لا تخطئها العين ، هناك روح تسكن العمل، وذوق خاص ، وطريقة ، وإحساس، وتجربة، ولزمة فنية لا تستطيع الأدوات أن تصنعها، ولا التقنيات أن تقلدها.

قد يتشابه الناس في الوسائل و الأدوات، لكنهم لا يتشابهون في أرواحهم ، وهناك جانب آخر يستحق التأمل :
بعض الناس يعيش وهم التميز المطلق، ويقنع نفسه بأنه حالة استثنائية لا تتكرر، وأنه أكبر من محيطه، وأن ما يقدمه لا يستطيع غيره الوصول إليه ، ويستحق الإعجاب و الإشادة والثناء ، وهذا شعور شخصي قد يمنح صاحبه حماساً في البداية، لكنه إذا تجاوز حدوده تحول إلى عبء ثقيل.

فهذا الوهم له ضريبة مؤلمة !
كلما تضخمت صورة الإنسان عن نفسه، ازداد خوفه من النقد، وخشي المقارنة، وأصبح أسيراً للمحافظة على تلك الصورة التي رسمها لنفسه ، فيعيش في قلق دائم، ويحسب لكل تعليق حساباً، ولكل نجاح يحققه غيره ألف حساب.

بينما الحقيقة أبسط من ذلك .
فالناس يرون الفنان، أو الكاتب، أو المصور، أو المتحدث، أو المشهور، إنساناً له دور يؤديه ويشكر عليه ، وله منجز يستحق الاحترام والتقدير، لكنهم لا يرونه كما يراه هو في مخيلته ، فمكانته الحقيقية يصنعها خُلُقه، وتواضعه، واستمرار عطائه، لا الصورة التي رسمها لنفسه.

أما التعالي، وشعور التفوق، والنظر إلى الآخرين باستصغار، فهي صفات تُفقد الإنسان كثيراً من محبته، مهما بلغت مكانته و أهمية وجودة أعماله ، فالمجتمعات تحتفي بالمبدع المتواضع، وتقترب منه، بينما تنفر ممن يظن أن نجاحه يمنحه حق الاستعلاء على الناس ، وكلما ازداد الإنسان علماً، أدرك أن كل إنجاز يقف خلفه معلم، وصديق، وتجربة، وأداة، ومحاولة، وتوفيق من الله تعالى قبل كل شيء.

تعلّم، وجرّب، واستفد من كل تقنية نافعة، وشارك معرفتك بثقة، ولا تجعل الخوف من كلام الناس يحرمك من التطور ، فالوسائل يتشارك فيها الجميع، أما الروح فلا ، والتقنيات يمكن أن يشتريها أي شخص، أما البصمة فلا تُشترى ، والفكرة والموهبة قد تفتح لك الباب .

التواضع، والتعلم المستمر، وصدق العمل، هي التي تجعلك تبقى.