الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (١٠).. ليس كل جهد حكمة

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالأربعاء 29 يوليو 2026، 2:26 م
الأبواب لا تُكسر… بل تُفهم (١٠).. ليس كل جهد حكمة

أي خطوة نقدم عليها، فإن التأمل في آثارها ومعطياتها قد يمنح الإنسان ما لا تمنحه ساعات من الاندفاع غير المدروس؛ لأنه يحوّل ردود الأفعال العمياء وغير المنطقية إلى قرارات واعية. فالحكمة والبصيرة لا تتجلّيان في سرعة الحركة دون أوراق وحسابات مضبوطة، وإنما تكمنان في صحة الاتجاه، ولو اكتشفه بعد حين. فكم من معاناة طويلة ومريرة اختُصرت بكلمة، أو فكرة، أو لحظة صمت سبقت القرار؛ لتكون البصيرة والتأني مفتاحًا للحلول، لا كثرة المحاولات العشوائية والعبثية.

محاولة البحث عن حل، أو تنفيذ هدف، أو قرار، أو معالجة خطأ أو تعثر، قد لا تصل به إلى نتيجة مرضية، والعقل الواعي لا يدعو حينئذ إلى تكرار التجربة بنفس الوسائل والمعطيات؛ لأنها ستعطي النتيجة نفسها، وتكون تكرارًا للمحاولة السابقة. وطريقة التفكير المنطقية تدعو إلى حذف المحاولة السابقة، وعدم تكرارها، والبحث عن مخارج أخرى. فالحكمة أن يراجع فهمه للواقع قبل أن يراجع مقدار جهده، حتى يصل إلى نتيجة مفادها أنه سيخوض تجربة جديدة مختلفة المعالم والاتجاه.

فكثير من الإخفاقات لا تنشأ من ضعف الإرادة والهمة، بل من سوء تشخيص المشكلة وأبعادها، والمسار الذي ينطلق فيه؛ إذ إن العمل، مهما كان عظيمًا، إذا بُني على تصور خاطئ، فإنه يقود إلى نتائج خاطئة.

العقل الواعي لا ينطلق في معالجة أي حدث أو موقف قبل أن يدرس الصورة العامة والشاملة له، بما يتخللها من تأمل في العوامل والأسباب والظروف التي تحكم ذلك الواقع، ومن ثمّ التفكير في اتخاذ القرار المناسب، والإمكانات المتاحة والمتناسبة مع قدراته. فالفهم الصحيح يسبق الحركة، ويرسم معالمها والخط الذي تسير عليه، وإلا كانت عبثية، ومجرد ضياع للوقت والجهد. بل إن تكرار الخطوات غير المدروسة، التي تكون نتيجتها الإخفاق، سيصيبه باليأس وفقدان الثقة بالنفس. ولهذا كانت المعرفة أساسًا لكل إصلاح وخطوة يُقدم عليها، فيراجع مخزونه المعرفي والفكري لبلورة صورة يعمل بها على أرض الواقع؛ لأن الإنسان إذا عرف موضع الخلل استطاع أن يوجّه طاقته في الاتجاه الصحيح، بدلًا من استنزافها في محاولات عقيمة، أو معارك جانبية لا تعالج أصل المشكلة، إن لم ينتج عنها تضخّمها.

الحكمة والبصيرة تعنيان التعامل مع أي مرحلة من مراحل حياته بحسب معطياتها وظروفها على أرض الواقع. فلكل مرحلة الأسلوب المناسب، والأدوات المعرفية والمهارية للتعاطي معها. ولذا فإن تغيير الوسيلة قد يكون أنفع من مضاعفة الجهد، الذي يعني تكرارًا للخطأ، بينما إعادة ترتيب الأولويات قد تكون أبلغ أثرًا، وتؤتي ثمارها أفضل من زيادة الإمكانات. فبعض المشكلات لا تحتاج إلى قوة أكبر، وإنما تحتاج إلى وعي أعمق يكشف جذور الأزمة، لا مظاهرها والأمور الهامشية أو الجانبية منها؛ لأن الحركة حين تستند إلى المعرفة تصبح أقرب إلى الإصابة، وأبعد عن العبث، ودوائر التيه، والضياع، والتكرار.