معماريون لم يدرسوا في الجامعات.. فكيف عرفوا أسرار البناء.. ارتفاع الأسقف مثال؟

منذ عام 2018، أثناء توثيقي للمباني التقليدية القديمة، توقفت عند ملاحظة مهمة تتكرر في البيوت التي دخلتها وقست أجزاء منها:
كارتفاع الأسقف للغرف والممرات والمربعات!!، في عدد لابأس له من البيوت التقليدية في مختلف مناطق واحة القطيف، حيث يصل الارتفاع الصافي من أرضية المكان إلى السقف (جذوع أو كندل) إلى نحو أربعة أمتار، وأحياناً يقترب من ذلك أو يقل عنه قليلاً، وهذه الملاحظة أثارت عندي سؤالاً ظل يراودني فترة طويلة؟ لماذا اختار (الأستاذ) البنّاء القديم هذا الارتفاع تحديداً؟
ناقشت الموضوع كثيراً مع أصدقاء ومعماريين ومهندسين ومهتمين بالعمارة التقليدية، كان التفسير الأول منطقياً ومقنعاً! في ذلك الزمن لم تكن أجهزة التكييف موجودة، وكانت الأسقف المرتفعة تساعد على التعامل مع الحرارة، فالهواء الساخن يرتفع إلى أعلى، بينما يبقى الجزء الأقرب إلى مستوى الإنسان أكثر اعتدالاً، وتساعد (الكوات) الفتحات والدرايش الكبيرة والمرتفعة والقريبة من الأرض على تحريك الهواء وتفريغ الحرارة، وهذا صحيح بلا شك، لكن مع مرور السنوات لم يعد بالنسبة لي تفسيراً كافياً!.
ليس سبباً واحداً
فلو كان ارتفاع السقف مرتبطاً فقط بالتعامل مع الحرارة، فلماذا نجد الآن في عمارتنا الحديثة، ارتفاعات كبيرة في بعض المساجد، وقاعات الاحتفالات، والمجالس، والصالات الرياضية، والمباني الرسمية، تصل أحياناً إلى عشرة أمتار أو اثني عشر متراً وأكثر؟
اعتقد، هنا تدخل عوامل أخرى: الهيبة، والاتساع، والفخامة، والضوء، والصوت، والشعور النفسي بالمكان، فالإنسان عندما يدخل فراغاً مرتفعاً (ومتوازناً)؟ مع أبعاده، يشعر غالباً بانشراح واتساع يختلف تماماً عن شعوره في فراغ منخفض! وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل المعماري الحديث يتعمد رفع السقف في (بعض) أجزاء المبنى السكني، رغم علمه بأن ذلك سيزيد من تكلفة الإنشاء والإضاءة والتكييف.
لكن السؤال الأهم والذي يشغلني أكثر!، هل كان الأستاذ والبنّاء التقليدي يعرف هذه المعاني؟ الأستاذ أو المعلم أو البنّاء الذي لم يدرس العمارة والهندسة في جامعة، ولم يقرأ كتاباً عن علم النفس البيئي، ولم يدرس نظريات العمارة الحديثة! إذاً، لماذا كان يرفع أسقف البيوت إلى أربعة أمتار تقريباً؟
هل كان يفعل ذلك اضطراراً بسبب الحرارة؟
أم أن الأمر نتيجة خبرة طويلة تراكمت عبر أجيال؟
أم أنه كان يعرف، بالممارسة، أن الإنسان يحتاج إلى فراغ يتنفس فيه، وأن ارتفاع السقف يمنح المكان راحة واتساعاً وهيبة، حتى وإن لم يكن يمتلك المصطلحات العلمية التي نستخدمها اليوم؟
أعتقد أن الإجابة ليست سبباً واحداً!
الأستاذ والبنّاء التقليدي لديه ذكاء فطري عالي جداً، وكان يعيش مع المكان، ويراقب الشمس والظل والرياح والرطوبة والمواد، ويعرف سلوكها من خلال التجربة، وكان يرى نتائج ما يبنيه ويقارنها بما بناه آباؤه وأجداده، فإذا نجح حل معين، انتقل إلى الجيل التالي، وإذا لم ينجح تغير وتطور، وهكذا تشكلت معرفة معمارية متراكمة، لم تكن بالضرورة مكتوبة في مراجع أو كتب، بل كانت محفوظة في الذاكرة والممارسة.
معماريون بلا شهادات
الأستاذ التقليدي القديم كان يبني ويشيد ويصمم، ويضع الحلول التي تتناسب مع بيئته ومواده وطريقة (حياة الناس)، دون أن تكون لديه شهادة أكاديمية في الهندسة أو العمارة، لم يكن يعرف المصطلحات التي نستخدمها اليوم، لكنه كان يعرف كيف يقرأ المكان، وكيف يتعامل مع الشمس والرياح والمواد، وكيف يوازن بين الوظيفة والجمال.
تاداو
وهذه الفكرة لا تنتمي إلى الماضي وحده، ففي عصرنا الحديث برع أيضاً مبدعون في العمارة والتصميم جاء بعضهم من تخصصات مختلفة، ولم تكن شهاداتهم الأكاديمية في الهندسة أو العمارة بالضرورة،؟ التي صنعت تجربتهم أو بصمتهم!، ومن أجمل الأمثلة المعاصرة التي تؤكد أن الطريق إلى العمارة لا يمر دائماً من بوابة الجامعة، تجربة المعماري الياباني تاداو أندو.
لم يدرس العمارة دراسة أكاديمية، ولم يحمل شهادة في هذا التخصص، بل بدأ حياته بعيداً عن العمارة، مارس الملاكمة لفترة، ثم اتجه إلى التعلم الذاتي، وعندما بدأ اهتمامه بالعمارة، لم يكتفِ بالكتب، بل تجول وسافر وذهب بنفسه إلى المعابد والمزارات وبيوت الشاي في كيوتو ونارا، يراقب المباني ويدرس تفاصيلها، ثم قام برحلات إلى أوروبا والولايات المتحدة لمشاهدة المباني وتحليلها، وكان يحتفظ بدفاتر للرسم والملاحظات أثناء سفره.
واللافت أن هذا الرجل الذي تعلم العمارة بهذه الطريقة أصبح لاحقاً واحدًا من أبرز معماريي العالم، وحصل عام 1995 على جائزة بريتزكر للعمارة، وهي من أرفع الجوائز العالمية في هذا المجال.
وهنا أجد شيئاً يستحق التأمل.
البنّاء التقليدي عندنا، وتاداو أندو في عصرنا، لم يتعلما بالطريقة نفسها التي يتعلم بها المعماري في الجامعة، لكن كليهما أدرك قيمة المشاهدة والممارسة والتجربة، الأول كان يقرأ الإنسان والشمس والرياح والمادة والمكان، ويتعلم من البناء الذي سبقه، والثاني كان يقرأ المباني بعينيه، ويرسمها، ويسافر إليها، ويتأمل تفاصيلها، ثم يحول ما تعلمه إلى تجربة معمارية خاصة به.
لحظة!
وهذا لا يقلل إطلاقاً من قيمة التعليم الأكاديمي، بل يؤكد أن الجامعة تمنح المعرفة المنظمة، بينما التجربة والملاحظة والسفر والممارسة تضيف إلى هذه المعرفة عمقاً آخر! ولعل هذا هو الدرس الذي يمكن أن نستفيد منه ونحن نعيد قراءة عمارتنا المحلية التقليدية!!!
لا يكفي أن نشاهد القوس أو ارتفاع السقف أو سماكة الجدار، بل علينا أن نسأل؟ ماذا كان يعرف البنّاء عندما صنعه؟ ماذا شاهد؟ ماذا جرّب؟ وما الذي جعل هذا الحل يستمر عبر الأجيال؟
فالمبنى القديم قد يكون في حد ذاته كتاباً معمارياً مفتوحاً، يحتاج فقط إلى من يعرف كيف يقرأه! بل إن الأمر يتجاوز حدود القرية أو المدينة.
علاقات دولية
منطقة الخليج، ومنها واحة القطيف، لم تكن معزولة عن العالم، فقد كانت حركة التجارة والسفر والرحلات البحرية، تربط القطيف بشرق آسيا والهند واليمن، وشرق أفريقيا وبلاد فارس ومناطق مختلفة من الجزيرة العربية، وكانت السلع تنتقل، ومعها تنتقل الأفكار والخبرات والعادات وأساليب البناء.
القرن التاسع عشر
تجار العطور، والبخور، واللؤلؤ، والبهارات، والتمور، والرطب والسلوق، والخيول، وغيرها من السلع، لم يكونوا ينقلون بضائع فقط، فالإنسان عندما يسافر يرى ويتعلم ويقارن، قد يرى في مدينة أخرى طريقة لبناء سقف، أو نوعاً من العقود، أو أسلوباً في توزيع الفتحات، أو معالجة للحرارة والرطوبة، ثم تعود الفكرة معه إلى مكانه، وتُجرّب، وتتغير لتناسب البيئة والمواد المحلية.
ومن هنا يمكن أن نفهم العمارة التقليدية باعتبارها نتاجاً للتجربة والتبادل والتراكم، وليس مجرد اجتهاد فردي لبنّاء واحد، ولعل من أجمل ما في الأمر أن البنّاء القديم لم يكن بحاجة إلى أن يقول لنا: “أنا أطبق مبدأ كذا في العمارة المناخية”، أو “أنا أراعي الأثر النفسي للفراغ”. كان يبني فقط؟ لكن ما كان يبنيه يحمل في داخله معرفة كبيرة.
خذ مثلًا الأقواس، ومنها المدببة التي نسمي بعضها في لهجتنا المحلية اللوزية، هذا العنصر ليست مجرد زخرفة جميلة نضعها فوق الأبواب أو بين الفراغات، بل لها جانب إنشائي، ولها جانب بصري، ولها علاقة بتوزيع الأحمال، وفي الوقت نفسه ترفع الإحساس بارتفاع الفراغ وتمنحه حضوراً مختلفاً، وهنا تظهر عبقرية العمارة التقليدية: أن الوظيفة والجمال لم يكونا منفصلين.
الأستاذ (البنّاء) لا يقول: سأبني شيئاً جميلاً ثم أبحث عن طريقة ليكون عملياً، بل إن الجمال نفسه قد يكون نتيجة للحل الإنشائي والبيئي.
الجدار السميك يعزل ويعطي إحساسًا بالقوة والثبات والهدوء، الفتحة المرتفعة تساعد في التعامل مع الضوء والهواء وتعطي الجدار إيقاعاً بصرياً، القوس يحمل ويعطي في الوقت نفسه جمالاً للفراغ، السقف المرتفع يساعد في التعامل مع الحرارة، ويمنح الإنسان إحساساً بالاتساع، والظل ليس مجرد غياب للنور، بل عنصر معماري مقصود يخفف وهج الشمس ويصنع جمالاً متغيراً خلال ساعات اليوم.
من ذاكرة المكان إلى مستقبل العمارة في المملكة
عندما نتحدث اليوم عن العمارة التقليدية في المملكة العربية السعودية، فإننا لا نتحدث عن مبانٍ قديمة نريد الاحتفاظ بصورتها فقط، بل عن ثروة معرفية متنوعة تكشف لنا كيف تعامل الإنسان في كل منطقة مع بيئته وموارده ومناخه وثقافته، فالمملكة ليست ذات طراز معماري واحد، ففيها تنوع كبير بين العمارة الشمالية والجنوبية والنجدية والحجازية والعسيرية والشرقية وغيرها من الطرز المحلية، ولكل منطقة مفرداتها وموادها وألوانها وتفاصيلها وأساليبها في التعامل مع المناخ والمجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية الاهتمام الذي تشهده العمارة المحلية اليوم، ودراسة هذه الطرز وتوثيقها وفهم خصائصها، لا بهدف العودة إلى الماضي كما هو، وإنما للاستفادة من المعرفة التي تركها لنا، ويتقاطع هذا الاهتمام مع التوجهات التي تشهدها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030، وما توليه من اهتمام بجودة الحياة، والهوية المحلية، وتطوير المدن، والاستفادة من الموروث العمراني والثقافي.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية،
كيف نستفيد من العمارة التقليدية دون أن نحولها إلى مجرد الوان وزخارف وأشكال نضعها على مبانٍ حديثة؟
الجواب يبدأ من فهم الفكرة قبل تقليد الشكل، فإذا كان ارتفاع السقف في البيت التقليدي مرتبطاً بالمناخ والراحة والنسب والجمال، فعلينا أن نفهم هذه العلاقات، وإذا كان القوس جزءً من نظام إنشائي وجمالي، فعلينا أن نفهمه قبل استخدامه، وإذا كانت المواد المحلية قد أثبتت كفاءتها في بيئتها، فعلينا أن ندرس خصائصها قبل استبدالها أو إعادة استخدامها.
بهذا تتحول العمارة التقليدية من “ماضٍ جميل” إلى معرفة حية يمكن أن تسهم في صناعة المستقبل، وهذا، في رأيي، هو التحدي الحقيقي أمامنا اليوم: أن نأخذ من العمارة التقليدية روحها وفكرها وذكاءها البيئي، ونمنحها أدوات عصرنا وتقنياته، بدل أن نكتفي بتكرار أشكالها الخارجية.
المعرفة لم تكن مكتوبة
وهذا يجعلني أتساءل: هل كان البنّاء التقليدي “معماريًا” بالمعنى الذي نفهمه اليوم؟
ربما لم يكن يحمل شهادة جامعية، لكنه كان يحمل شيئًا آخر لا يقل أهمية: ذاكرة المكان، كان يعرف المادة قبل أن ندرس خصائصها في المختبر، ويعرف اتجاه الشمس قبل أن نرسم مسارها على برامج الحاسب، ويعرف حركة الهواء من خلال معايشته للمكان، ويعرف النسب من خلال عينه وخبرته، ويعرف ما الذي نجح وما الذي فشل من خلال عشرات السنين من الممارسة.
وهذا لا يعني أن كل ما بناه القدماء كان مثالياً، ولا يعني أن علينا العودة إلى الماضي ونسخ مبانيه كما هي، لكن من المهم أن نفهم لماذا فعلوا ما فعلوه.
وين الخلل
المشكلة والخلل، تبدأ عندما نكتفي بتقليد الشكل دون فهم الفكرة!!! نأخذ القوس لأن شكله جميل، ونرفع السقف لأن المبنى التقليدي كان مرتفعاً، ونضع دريشة تراثية لأن شكلها يعجبنا، لكننا لا نسأل: لماذا ظهرت أصلاً؟ وما علاقتها بالمناخ والإنسان والمواد وطريقة الحياة؟
إن قراءة العمارة التقليدية بهذه الطريقة تجعلنا نراها باعتبارها معرفة قابلة للتعلم، وليست مجرد صورة من الماضي، وربما لهذا السبب ما زلت أعود إلى السؤال نفسه منذ عام 2018:
هل كان ارتفاع السقف في البيت التقليدي مجرد وسيلة لمواجهة الحرارة، أم أن وراءه فهماً أعمق للإنسان والمكان؟
أميل اليوم إلى أنه كان مزيجاً من الاثنين، فالحرارة فرضت تحدياتها، والبيئة قدمت شروطها، والمواد فرضت حدودها، والتجربة اختبرت الحلول، والذوق والثقافة شكّلاً الصورة النهائية، ثم جاءت الأجيال، وأضافت إلى ما قبلها، حتى أصبح ارتفاع السقف جزءً من شخصية البيت التقليدي.
والأجمل أن هذا كله حدث في زمن لم تكن فيه كلمة “استدامة” بالمعنى الذي نستخدمه اليوم شائعة في حديث الناس عن العمارة، كانوا يمارسونها دون أن يسموها بهذا الاسم، لم يكونوا يتحدثون كثيرًا عن “كفاءة الطاقة”، لكنهم عرفوا كيف يحمون البيت من الحرارة، ولم يكونوا يتحدثون عن “جودة الفراغ”، لكنهم صنعوا أماكن يشعر الإنسان فيها بالراحة، ولم يكونوا يتحدثون عن “الهوية المعمارية”، لكن بيوتهم حملت هوية المكان بوضوح.
الإنسان ابن بيئته
لذلك ربما نحتاج اليوم، ونحن نملك الجامعات والبرامج الهندسية والتقنيات الحديثة، ألا ننظر إلى البنّاء التقليدي باعتباره شخصاً لم يتعلم!
بل ننظر إليه باعتباره معمارياً تعلم بطريقة مختلفة! تعلم من المكان، ومن الناس، ومن التجربة، ومن الخطأ، ومن السفر، ومن الزمن،
فقد لا تكون الشهادة هي التي صنعت العمارة التقليدية، وإنما المعرفة المتراكمة التي تحولت إلى ممارسة.
وفي النهاية، لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: لماذا كان السقف مرتفعاً؟
السؤال الأهم ربما هو:
كيف استطاع إنسان لم يدخل كلية العمارة أو الهندسة أن يصل بالتجربة والملاحظة والممارسة، إلى حلول ما زلنا اليوم نكتشف قيمتها ونبحث عن تفسير علمي لها؟
وهنا تكمن قيمة العمارة التقليدية!
فهي لا تقول لنا فقط كيف كان أجدادنا يبنون بيوتهم، بل تقول لنا أيضاً كيف كانوا يفكرون، وكيف كانوا يلاحظون، وكيف كانوا يتعلمون من المكان قبل أن نتعلم نحن كيف نقرأه.

العلا

تاروت



