الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كسروا جناحي…..فحلّقت

سوزان آل حمود · القطيف اليومالثلاثاء 18 أغسطس 2026، 9:22 ص
كسروا جناحي…..فحلّقت

لم تكن القسوة يوماً قدراً محتوماً يطفئ جذوة الأرواح الحرة، بل كانت دوماً الابتلاء الأكبر الذي يُسفر عن معدن النبل، ويفرز العظماء عن العابرين. في تفاصيل هذه الحياة، قد تنال منك يد الغدر، أو يصيبك سهم الخيبة ممن ظننتهم سنداً، فيخيّل لبعضهم أنهم بسلبك دعمهم أو كسر مجاديفك قد وضعوا حدّاً لرحلتك، وأودعوك القاع إلى الأبد. !

لكنهم يجهلون أن الطيران ليس مجرد حركة أجنحة، بل هو عقيدةٌ في الروح، وإرادة تسكن الأعماق.

إن الخُلق الرفيع والقيم الأصيلة لا تتجلى في أيام الرخاء واليسر، بل تولد وتصقل في لظى الشدائد. حين يُكسَر جناحك بالظلم، أو بالإجحاف، أو بنكران الجميل، تتفتح أمامك بوابتان: إما سكة الضغينة والانكسار، وإما طريق السموّ والإصرار.

الشرفاء وحدهم هم من يختارون الطريق الثاني لا يردون السيئة بمثلها، ولا يلوثون أنقاء أرواحهم بمرارات الانتقام، بل يجعلون من ألم الكسر وقوداً يدفُعهم نحو سماءٍ أبعد، وقممٍ ألق.

التحليق عقب الكسر ليس مجرد خروجٍ من أزمة، بل هو إعادة تعريف للذات. إنه الدرس الذي يعلّمنا أن التحليق الحقيقي لا يعتمد على ظروفٍ خارجية توفرها لنا الأيدي الأخرى، بل على طاقة التسامي التي نبعت من تقوانا، وثقتنا بأخلاقنا، وإيماننا بأن ما عُند الله أبهى وأبقى.
حين كسروا الجناح الظاهر، تحررت الأجنحة الخفية: جناح الصبر، وجناح اليقين، وجناح العزة التي لا تستجدِي طيراناً من أحد.
تذكر دوماً الرياح العاتية لا تُسقط الأشجار ذات الجذور الضاربة في عمق الأرض، والضربات التي لا تميتك تجعل منك كائناً أشدّ بساطة في نبلِه، وأقوى شكيمةً في الحق. كُن كالغيث، أينما وقع نفع، وكالنسر الذي إذا ضاق به فضاء الأرض، ارتفع فوق السحاب حيث لا تصل إليه أيدي العابثين.

ختامًا
إنهم لم يكسروا جناحك ليردوك قتيلاً، بل أزاحوا عنك "دون أن يدروا" أوهام الاعتماد على غيرك، لتبدأ رحلتك الحقيقية. فحلق لأن السماء وحدها هي اتساعك، ولأن الأخلاق والترفع هما محركك الذي لا يكبُو أبداً.