الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

خَادِمٌ أَمْ مَخْدُومٌ؟

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالأحد 23 أغسطس 2026، 9:08 ص
خَادِمٌ أَمْ مَخْدُومٌ؟

المروءة تبدأ من البيت
في البيت هل أنت خادمٌ أم مخدوم؟

في جلسةٍ ضمّت ثلاثةَ أشخاص، دار حديثٌ عفويّ عن الحياة داخل البيت، فسأل أحدهم صاحبيه: هل تساعدون أهلكم في أعمال المنزل؟ .

قال الأول: أنا في البيت لا أعمل شيئًا، حتى إذا أردتُ كوبًا من الماء ناديتُ زوجتي لتأتي به .

وقال الثاني: أنا أساعد زوجتي أحيانًا، وإذا طلبت مني شيئًا في البيت أساعدها .

أما الثالث فقال: أما أنا فأشاركها كل يوم؛ إعداد الفطور وترتيبه من مسؤوليتي، وأساعد في ترتيب البيت وغسل الصحون بعد الوجبات، إلى جانب بعض الأعمال الأخرى.

وبين هذه الإجابات يظهر فرقٌ واضح في فهم معنى المروءة وحسن العشرة. فهل خدمة الإنسان لأهله تنتقص من قدره، أم أنها دليلٌ على عطفه ووفائه؟

رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ». (1)

كلمات قليلة، لكنها تحمل معنى كبيرًا؛ فالإنسان الكبير ليس من ينتظر الآخرين ليخدموه، وإنما من يكون نافعًا لمن حوله، ويبادر إلى قضاء حوائجهم، ولا يرى في خدمتهم انتقاصًا من قدره.

قد تحمل بعض البيئات موروثًا يجعل الرجل يرى أن أعمال المنزل ليست من شأنه، وأن مساعدته لأهله لا تليق بمكانته. لكن المروءة الحقيقية لا تُقاس بما يقدمه الآخرون للإنسان، وإنما بما يقدمه هو لمن يحب.

أن تساعد زوجتك في إعداد الطعام، أو ترتيب المنزل، أو غسل الصحون، أو أن تخفف عنها بعض الأعمال عندما تكون متعبة، ليست أعمالًا صغيرة. قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها كبيرة في أثرها؛ لأنها تقول لها من غير كلام: أنا معك، أشعر بتعبك، وهذه الأسرة مسؤوليتنا معًا.

وليس المقصود أن يتحول أحد الزوجين إلى خادم دائم، أو أن يتحمل وحده أعباء المنزل، وإنما أن تكون هناك مشاركة وتعاون، وألا يرى الإنسان خدمة أهله عيبًا أو انتقاصًا من قدره. فالمشاركة حين تكون عن محبة ومروءة، تتحول الأعمال الصغيرة إلى رسائل كبيرة من الوفاء.

تخيّل بيتًا يضم خمسة أشخاص، لو أن كل واحد منهم خصص دقائق قليلة من وقته صباحًا للمساعدة في بعض أعمال المنزل؛ دقائق قد تبدو بسيطة لكل فرد، لكنها حين تجتمع تتحول إلى وقت ثمين، وتخفف عن الزوجة أو الأم جزءًا من أعباء يومها. فالمساعدة لا تُقاس دائمًا بحجم العمل الذي يقوم به الفرد، وإنما بالأثر الذي تتركه المشاركة حين يتعاون الجميع.

والأجمل أن خدمة الأهل لا ينبغي أن تكون مرتبطة بعمر الإنسان. فحتى عندما يكبر ويضعف، يستطيع أن يشارك بما يستطيع، ولو بأمر يسير. وربما كان هذا العمل البسيط أوقع في النفس من أعمال كثيرة أكبر منه؛ لأنه يحمل معنى الاهتمام والوفاء.

وما أجمل أن تقدم لابنتك شيئًا فتقول لك بمحبة: يا عمري، أنت أبوي . وما أجمل أن يخدم الأب أبناءه، فيكبرون وهم يحملون في ذاكرتهم صورًا لا تُنسى عن أبٍ لم يكن يرى خدمته لهم نقصًا في مكانته، بل تعبيرًا عن حبه.

وقد لا يُظهر الابن مشاعره في تلك اللحظة، وقد يكتفي بالصمت أو بشيء من الخجل، لكنه يتذكر. فالمواقف الجميلة تبقى في الذاكرة، خصوصًا تلك التي شعر فيها الإنسان بأن من يحبه كان قريبًا منه، يقف إلى جانبه من غير منّة ولا انتظار مقابل.

والإنسان الذي يتطوع لخدمة المجتمع، ويبذل وقته وجهده في خدمة الناس، ينبغي ألا ينسى أن أقرب الناس إليه هم أولى الناس بخدمته. فما قيمة أن يكون الإنسان حاضرًا لخدمة الآخرين، بينما أقرب الناس إليه ينتظرون منه كلمة أو مساعدة فلا يجدونه؟

وخدمة الأهل ليست مجرد عمل منزلي؛ إنها تربية على العطاء، وتعميق للمودة، وبناء لعلاقة تقوم على المشاركة لا على الأوامر. وهي من أجمل صور الوفاء؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى أهله يومًا في مرض أو ضعف أو كِبَر، وحينها لا يعوّض المال وحده ما تصنعه المحبة التي بُنيت معهم طوال السنين.

وقد وردت روايات في فضل خدمة العيال ومساعدة الزوجة في شؤون البيت. ومن ذلك ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «يَا عَلِيُّ، لَا يَخْدُمُ الْعِيَالَ إِلَّا صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». (2)

وهنا ينبغي أن نقرأ هذه الرواية في إطارها الأخلاقي والتربوي: خدمة الأهل ليست مذلة ولا انتقاصًا من الرجل، وإنما هي صورة من صور التواضع والمودة وحسن العشرة، إذا قصد بها الإنسان وجه الله وإدخال السرور على أهله.

لذلك، لا تجعلوا خدمة البيت معيارًا للرجولة بمعنى: من يُخدم أكثر؟ بل اجعلوها معيارًا للمروءة: من يخفف عن أهله، ومن يبادر، ومن يكون حاضرًا حين يحتاجه من يحب.

فالبيت ليس فندقًا، والزوجة ليست خادمة، والأبناء ليسوا موظفين عند آبائهم. البيت أسرة، والأسرة مودة ورحمة وشراكة.

وما أجمل أن يكون الإنسان خادمًا لأهله، لا مخدومًا عليهم؛ فالمروءة لا تبدأ من الشارع ولا من المجتمع، وإنما تبدأ من البيت، حيث يرى أهلك حقيقتك قبل أن يراك الآخرون.

فليس أجمل من رجلٍ يستطيع أن يخدم الناس، لكنه لا يستنكف أن يخدم أهله؛ لأن من كان قريبًا من أهله في أيام القوة، وجدهم قريبين منه في أيام الضعف.

المصادر

1. الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 378، في رواية: «سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ».

2. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 101، ص 132، باب «فضل خدمة العيال»، نقلًا عن جامع الأخبار، ص 102.