الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مرني يالعصر غربي وغر بي.. بين وعكة الچناديد ونسمات النخيل

عبد الله أبو رشيد · القطيف اليومالأحد 27 سبتمبر 2026، 6:45 م
مرني يالعصر غربي وغر بي.. بين وعكة الچناديد ونسمات النخيل

في القطيف، ما كانت الرطوبة العالية مجرد رقم في نشرة جوية؛ كانت حالة تعيشها الأجساد، وتحفظها الذاكرة.

إذا اشتد القيظ وركد الهوا، جتنا وعكة الچناديد؛ كتمة ثقيلة وحرارة محبوسة، خصوصًا في «الچندود»؛ ذاك المكان المغلق في صدر البيت، اللي تُرص فيه قلال التمر، فيذوب سكرها من شدة الوغر، وينزل منها الديس قطرة قطرة.

ومع الوعكة تجيك الزيغة؛ دوخة خفيفة، وثقل في الصدر، وإحساس إن الهوا نفسه صار قليل.

لكن القطيفي ما كان يستسلم للكتمة.

نطلع من ضيق البيوت ونلجأ إلى البساتين؛ تحت ظلال النخيل، وبين الدوالي والسواقي، حيث الماي يمشي على هدوء، والهوا يتسلل من بين السعف كأنه يعرف تعبنا.

هناك كانت الرطوبة غير.

رطوبة الماي والنخل ما تخنق؛ كانت تبل الريق، وتبرد الجسد، وترد الروح إلى مكانها. وكانت النسمة إذا مرت بين النخيلات كأنها يد حانية تمسح عن الوجه أثر القيظ.

ومن هنا كتبت هذا الشطر من بيت قصيدة ، وكأنه دعاء أهل الواحة في ساعة الكتمة:

مرني يالعصر غربي وغر بي

يا ليت الغربي يمر، ويا ليت معه تنفتح للصدر نافذة.

اليوم تغيّر المشهد. انحسرت مساحات من البساتين، وجفّت عيون، وتبدلت ملاذاتنا. إذا اشتدت الرطوبة، دخلنا الصالونات، وأغلقنا الأبواب، وشغلنا المكيفات، أو لجأنا إلى المجمعات والأسواق.

تبرد الأجساد، نعم؛ لكن ثمة شيء آخر لا يبرده المكيف.

شيء اسمه ذاكرة المكان.

فنسمة الغربي القديمة ما كانت مجرد هواء؛ كانت جزءًا من حياة الواحة. ورائحة النخل بعد الماي، وصوت الساقية، وظل الدالية، كلها كانت علاجًا لا نعرف اسمه، لكننا كنا نعرف أثره.

ولهذا، كلما اشتد القيظ، ربما لا نبحث عن الغربي وحده…

نحن في الحقيقة نبحث عن قطيفٍ قديمة، كانت الواحة فيها رئة، والنخلة فيها ظل، والماي فيها رحمة.

مرني يالعصر غربي وغر بي…
خذني ولو لحظة، إلى ذاك الزمن.