الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

فقه العمران وبيوت واحة القطيف القديمة

إسماعيل هجلس · القطيف اليومالثلاثاء 13 أكتوبر 2026، 11:33 ص
فقه العمران وبيوت واحة القطيف القديمة

حين يلتقي الفقه بحكمة المجتمع

عندما نزور ونتجول و نتأمل البيوت التقليدية في المملكة بشكل عام ، نقرأها بعين المعماري ، فنبحث عن توزيع و تناسب الفراغات، واتجاهات الرياح، وارتفاع الأسقف ومواده، وارتفاع ومواقع الأبواب والدرايش ، والضوء، وقد نقرأها بعين الباحث الاجتماعي، فنرى كيف صُمّم البيت ليحفظ خصوصية ساكنيه ورعاية الجيران و متطلبات الأسرة لتنظيم حياتها اليومية ، وكم باب للدخول والخروج ، وقد نقرأها بعين الاقتصادي، فنلاحظ المساحات و دقة استخدام المواد والجهد، والابتعاد عن الإضافات و المبالغة في البناء.

فقه العمران

هناك عيناً أخرى لا تقل أهمية، وهي عين الدين ، فبعض التفاصيل التي نراها اليوم عناصر معمارية عادية، قد تكون وراءها اعتبارات دينية أو أخلاقية أو عادات اجتماعية تشكلت عبر أجيال ، وهنا تظهر أهمية النظر إلى البناء باعتباره جزءاً من حياة الإنسان، تتداخل فيه الأحكام الشرعية مايسمى ب «فقه العمران» مع العرف ، والبيئة، والحاجة، والاقتصاد، والخصوصية ، ولعل من أجمل ما في البيوت القديمة أنها لا تخبرنا عن نفسها من خلال شكلها وتصميمها ، وإنما من خلال تفاصيل صغيرة تكشف طريقة تفكير من بناها.

لنأخذ مثالاً ، الأدب !

فموضع وتفصيل، ( المرحاض ، أو بيت الخلاء ، أو بيت الراحة ، أو المستراح ، أو الكنيف) ، كان يُختار ويصمم منفصلاً عن ، ( المسبح ، الدش ، المغتسل ، الحمام ، الشاور ، المطهر) ، بعيداً وفي أحد أركان البيت البعيدة عن مجالس الأسرة ومواطن اجتماعها، وذلك مراعاة للخصوصية ، وتقليلاً لما قد ينتج عنه من روائح، والاستفادة من حركة الهواء واتجاه الرياح ، هنا تظهر براعة الأستاذ ! يتعامل مع البيت باعتباره بيئة متكاملة يعيش فيها الإنسان، ولكل فراغ فيها وظيفته ومكانه وعلاقته ببقية أجزاء البيت.

ماعلاقة الأدب بفقه العمران !

اتجاه الجلوس مع الكشمة ( الكرسي العربي) كان حاضراً في تفكير الأستاذ .

كانت البيوت في القطيف تراعي أن يكون اتجاه الأدب من الجنوب إلى الشمال، بعيداً عن اتجاه القبلة شرقاً وغرباً ( استقبالاً واستدباراً) ، مع مراعاة ما جرى عليه العمل والعرف المحلي، وما ارتبط في الذاكرة الاجتماعية باحترام القبلة وتعظيمها ، ولا بد هنا من التفريق بين الممارسة المعمارية المتوارثة وبين الحكم الفقهي؛ فمسألة استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة من المسائل التي تناولها الفقهاء بتفصيل، وفيها اختلاف في بعض صورها ومواضعها، ولذلك لا يصح أن ننسب كل اختيار معماري قديم إلى حكم شرعي قطعي ، وهذه النقطة بالذات مهمة في قراءة العمارة القديمة؛ لأن الباحث قد يجد تفصيلاً معمارياً متوافقاً مع قيمة وحكم ديني ، لكنه لا يستطيع بمجرد وجود هذا التوافق أن (يجزم) بأن الحكم الشرعي هو السبب المباشر في نشأته.

العمارة أحياناً تحفظ لنا أثر الفكرة أكثر مما تحفظ لنا نصها.

ومن التفاصيل التي تستحق التأمل أيضاً والتي كانت القراءة لها مختلفة تماماً مع ماكنت اتحدث عنه في الفقه العمراني ! و ماتم الوصول له من معلومات معمارية ، واقصد هنا تحديداً ارتفاع الأسقف في البيوت القطيفية القديمة ، ومن خلال ملاحظاتي للبيوت التقليدية في عدد من مناطق واحة القطيف، من صفوى إلى سيهات مروراً بتاروت ودارين وسنابس والزور والأجام وأم الساهك وغيرها، لفت انتباهي أن الأسقف لم تكن شديدة الارتفاع، وغالباً ما كانت في حدود تقارب أربعة أمتار وأقل بقليل ، ومن الناحية المعمارية والبيئية يمكن فهم هذا الارتفاع في ضوء طبيعة المناخ، وحركة الهواء الساخن والبارد، وطريقة توزيع الحرارة داخل الفراغ، إضافة إلى الاقتصاد في مواد البناء والجهد المبذول في التنفيذ.

إذاً ما السر وراء ارتفاع الأسقف

و أثناء البحث والمناقشات في هذا الموضوع، دار حديث قصير ممتع بيني وبين صديق من طلاب العلم ، حول ارتفاع الأسقف، وسمعت منه قراءة دينية حول حكم المبالغة في ارتفاعها ، وفيها كراهة إذا تجاوز ارتفاع معين، وربط ذلك بما ورد في بعض المرويات والآراء الفقهية المتعلقة بالمبالغة في ارتفاع السقف ، وهنا توقفت عند هذه الفكرة؛ لأنني كنت أنظر إلى ارتفاع السقف من زاوية العمارة والمناخ والاتساع والتهوية، فإذا للموضوع قراءة أخرى وهي من زاوية الحكم الفقهي، ومع ذلك، فإن مثل هذه المسائل تحتاج إلى توثيق فقهي دقيق، والتمييز بين ما ثبت في المصادر وما هو متداول على ألسنة وحياة الناس ، وإذا وُجدت كراهة في بعض صور ارتفاع البناء، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل سقف يتجاوز أربعة أمتار يدخل في حكم واحد، كما أن الحديث عن القباب أو الارتفاعات المعمارية لها معالجات خاصة لدفع الحكم الأولي الخاص، بل يحتاج إلى دراسة فقهية مستقلة.

عمارة وفقه

يقودنا إلى فكرة مهمة: البيت القديم لا يمكن فهمه من خلال العمارة وحدها.

فالأستاذ المعماري، الذي كان يتولى مسؤولية التخطيط و البناء، لم يكن يعمل منفرداً ، حوله التاجر ،والبنّاؤون والجصاصة والمساعدون والحمالية وغيرهم من أصحاب الحرف، وكانت بينهم معرفة عملية تتناقلها الأجيال ، يعرفون المواد، وطرق استخدامها، واتجاهات الرياح، ومواقع الأبواب والدرايش، ومواضع المجالس والمرافق، وما يناسب خصوصية الأسرة وحياتها اليومية ، وكانت هذه المعرفة في كثير من الأحيان غير مكتوبة؛ بل محفوظة في الممارسة ، وهنا تأتي قيمة دراسة أسماء البنّائين وأصحاب الحرف، ليس لمعرفة من بنى البيت فقط، وإنما لمعرفة من حمل المعرفة العمرانية وانتقل بها من جيل إلى جيل.

وثيقة غير مكتوبة

فإذا نظرنا إلى البيت القطيفي التقليدي بهذه العين، سنجد أن تفاصيله الصغيرة تتحول إلى وثائق صامتة ، موضع الحمام يخبرنا عن الخصوصية والنظافة وحركة الهواء ، واتجاه الكشمة تخبرنا عن حضور القبلة في الوعي المعماري والاجتماعي ، ومواضع المجالس تكشف طبيعة العلاقات الاجتماعية ، وارتفاع السقف يكشف تفاعلاً بين المناخ والمواد والاقتصاد وربما بعض الاعتبارات الدينية، ولهذا تجد جدران الجامع و المسجد والقبة تحاط بسور وآيات قرآنية .

خبرة وكتاب

الفكرة التي أجدها جديرة بالتأمل: أن حكمة البناء لا تتوقف دائماً على ورشة عمل أو قراءة كتاب، فقد تختبئ أحياناً في جدار، أو في اتجاه باب، أو في زاوية اختيرت بعناية ، لقد كان الأستاذ يبني بعينه ويده وخبرته، لكنه كان في الوقت نفسه يبني داخل منظومة من القيم والعادات والأحكام التي تحكم حياة المجتمع ، ولذلك فإن دراسة العمارة التقليدية تحتاج إلى أن نقرأها من أكثر من نافذة: من نافذة العمارة، ومن نافذة البيئة، ومن نافذة الاقتصاد، ومن نافذة المجتمع، ومن نافذة الفقه ، وعندما نجمع هذه النوافذ معاً، قد نكتشف أن بعض التفاصيل التي تبدو لنا اليوم بسيطة أو عابرة، كانت في الحقيقة نتيجة تراكم طويل من المعرفة و التجربة والملاحظة والتعلم.

لم يكن مأوى

كان نظاماً متكاملاً للحياة، تشكل عبر البيئة، والعرف، والحرفة، والدين، وحاجة الإنسان ، ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى تلك البيوت وقراءة تفاصيلها لفهمها ، فربما كان في زاوية حمام قديم، أو في ارتفاع سقف، أو في اتجاه باب، أو انكسار ممر أو اتساع دهليز ، أو قطعة بارية أو سمة ، أو خشب ، درس يخبرنا كيف كان الإنسان يبني مسكنه وهو يفكر في كل شيء له علاقة بالبيت ، في حركة الهواء، والخصوصية، والاقتصاد، واتجاه القبلة، والإنسان في وقت واحد.

بلدات:القطيف