الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الشاعر آل غريب.. سيرة شكّلت فلسفته الشعرية

جمال الناصر · القطيف اليومالثلاثاء 13 أكتوبر 2026، 11:35 ص
الشاعر آل غريب.. سيرة شكّلت فلسفته الشعرية

في ذات مساء، وبينما عيناي، تقرآن صفحات كتاب "أنا إلا قليلًا"، كان قلبي يفتح شُرفته؛ لينغرس فيه بكله، والعقل يتأمل شواطئه المُفعمة بالماء والتراب، وهُدوء الشاطئ يُغري بالقراءة أكثر. مضى الوقت دون انتباه حسي، تلفني اللحظات غرقًا في اللاشيء من الحس، إلا أن ذاتي تُشعر بالأبجدية والمعاني، حتى غدت المعاني هي الحسُّ الذي يقرأني، فأقرأه.

وفي الحقيقة. إن كتاب "أنا إلا قليلًا"، والذي يحتضن في أبجديته السيرة الذاتية للشاعر ياسر آل غريب. لم يكن إنصافًا اعتباره مُجرد سيرة ذاتية، فهو كتاب يحكي عن حياة الشاعر، وبعض المحطات التي شكّلت توجهه الأدبي، وفلسفته الشعرية، ونسجت رُؤيته للحياة. أليست تفاصيل حياتنا، تمنحنا تكوين شخصيتنا، وصياغة أفكارنا، وماهية رُؤيتنا للأشياء من حولنا؟

لقد أبهرتني فكرة أن يكتب الإنسان عن سيرته الذاتية، وهي الفكرة التي تجسدت في المبادرة التي أطلقها "مُنتدى صهيل الكلام"، الذي يُديره الشاعر علي مكي آل الشيخ، والتي تُعنى بتوثيق السير الذاتية للأعضاء، الذين يرفلون بساحه؛ ليكون بين دفتي كتاب، وفي مُتناول القارئ. وأبهرني كذلك ما احتواه هذا الكتاب؛ فقد انغرست كليًا فيه، فاقتطفت من كل زاوية زهرة، ومُتنفسًا، حكاية ودفئًا شعوريًا.

و-مما لا شك فيه-، أن للسير الذاتية فوائد جمة، لا استغناء للقارئ عنها. وهنا أقف مُتأملًا كتاب "أنا إلا قليلًا"، وأدرك أن هذه الكلمات لن توفيه حقه من التأمل، ولكن لا يُمنع من استنطاقه، ولو بشيء يسير. فالكتاب مُتنوع في طرحه، وكأنه حياة بكل تفاصليها، لوحة عن الطبيعة، نُسجت دراميًا؛ لتضع القارئ أمام مشاهد مُتعددة بحياكة سينمائية، تفتح الشرفة بانحناء خيوط الشمس، لنقف نتأمل حيثيات الحياة، وكيفية التعامل معها، وفهم النفس البشرية، وكيفية تقويمها.

وفي الصفحات الأولى، أخذنا الشاعر آل غريب، إلى اليوم الذي فقد فيه والدته -رحمها الله-، وكيف لجأ إلى الكلمات؛ لتكون المُتنفس الذي يُخفف عنه وقع الفقد المؤلم. يقول: كانت الشرارة الأولى عام 1996م، يوم فقدت والدتي العزيزة، حينها كنت للتو أنهيت المرحلة الثانوية، لم أجد شيئًا إلا ورقة أخط عليها بعض الألم، وكأني بتلك الكلمات الرثائية الأولى أريد أن أعوض عن خسارتي الكبرى. ماذا يعني أن يتجه الإنسان إلى الكتابة؛ ليفرغ شيئًا من آلامه؟ هذا معناه: أن علاقته باليراع، ليست علاقة عابرة، إنها تستحوذ على كيانه، ويشعر أنها الكل من ذاته، وليس الجزء. وهُنا، تكمن المُفارقة بين كاتب يجد أن اليراع كلَّه، وبينهما علاقة عشق، علاقة قد تصل إلى التوأمة، وبين آخر، يراه شيئًا، يُمارسه، ولا يتعدى ذلك.

حدثني أحد الكتاب في يوم صباحي، نداه على نافذة المكان، ينساب، وكلانا يتأمله: أتصدقني حين أقول لك أني عندما أكون سعيدًا، أهفو إلى الكتابة، فأكتب، وعندما تلحظ على ملامحي اصفرار الألم، أهفو إلى الكتابة، فأكتب. أجبته: نعم، أصدقك. ابتسم بعينيه في عيني، وكلانا يُحدق في قطرات النَّدى على النافذة، وكأننا نُريد البوح لها، بما يشي بداخلنا من لهفة البوح.

وبعد بضع صفحات، استوقفني بسرده قصة تعلقه بالقراءة مُنذ كان صغيرًا، تحديدًا في مُنتصف الثمانينات إلى نهايتها، وبدايته القرائية. يقول: كنت أتابع مجلات الأطفال كمجلة الشبل السعودي، وماجد الإماراتية، وسعد الكويتية. كنت أستقطع من مصروفي اليومي عدَّة ريالات؛ لأتمكن من شرائها نهاية الأسبوع. كان هذا هو الدرس الأول في إدارة المال في حياتي من أجل القراءة.

إن الكتاب ليس حصرًا على الكبار، أيضًا القراءة. لذا، علينا أن نزرع في أبناءنا حُب الكتاب والقراءة. فإذا وصل الإنسان إلى أن يستقطع من مصروفه؛ ليشتري كتابًا. هذا معناه: أنه يُدرك القيمة الحقيقة للكتاب، أيضًا الشغف الكبير الذي يحتويه. هذا الموقف ليس عابرًا تقرأه في كتاب، ولكنه ثقافة تدعو إلى أن نُربي أبناءنا على ذلك.

وفي جانب الشعر ورُؤيته. فقد انطلق الشاعر في كتابه، من كونه يتحدث عن السيرة الذاتية، إلى وضع رُؤيته الشعرية، وكيف تشكّلت مع السنوات الثلاثون، مُتناولًا إياه من خلال فلسفته، التي صقلها بالقراءة والكتابة، والتي آتت أكلها، بتكوين رُؤية خاصة به. وهذه نتيجة طبيعية. فالكاتب يبدأ قارئًا نهمًا، مُتجولًا بين أغلفة الكتب، يقرأ، ويقرأ، ثم يُمارس، إلى أن يتفرد بأسلوبه ورُؤاه، أفكاره التي يبني عليها ما يكتب، وما يكون بوصلته، حينها، يكون صاحب رأي في مجاله.

يقول: والحقيقة التي أكتشفها الآن، هي أنني لم أكن أبحث عن كتب، ولكني كنت أبحث عن نفسي أولًا. وفي موضع آخر، يقول: تغير أسلوب حياتي بانكبابي على كتب الأدب، أتذكر كيف كان ديوان (الجواهري في العيون من أشعاره)، رفيقي الدائم، ومن فرط ما قرأته تمزق غلافه وتهرأت أوراقه، ولكنه ظل صامدًا في مكتبتي، ومازلت أحتفظ به كعلامة على حيوية القراءة. إن فلسفة الشاعر في الشعر، جاءت مُلهمة ودقيقة في فحواها. فقد استطاع أن يُوجزها في بضع كلمات، ولو أراد تفصيلًا، لزاد من شغفنا؛ لنقرأ بلا ملل أو كلل.

ختامًا: إن "مُنتدى صهيل الكلام"، قد أشاح عن فكرة وطبقها، وهو هُنا، لم يدع للخوف من الأنا أو الغرور، أن يأخذا مجراهما. حيث قد يظن البعض أن الكتابة عن سيرته الذاتية، سوف توقعه في الأنا، أو قد تُصيبه بالغرور؛ لهذا يتجنب ذلك. وهذا الأمر قد يكون صائبًا، إن كان الهدف ذلك، ولكن إذا تجرد الإنسان منهما، فإنه سيقدم شيئًا من خلاله سيُفيد الآخرين، أيضًا سيستفيد هو؛ لأنه سيوثق مرحلة من حياته. وهذا ما نُبصره في هذه الكتب التي أفادتنا كثيرًا، ونشتاق إلى أمثالها.