الأربعاء 14 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ماعون النعم عندش مو عدد فردي لا يقبل القسمة!

عبد الله أبو رشيد · القطيف اليومالأربعاء 14 أكتوبر 2026، 11:00 ص
ماعون النعم عندش مو عدد فردي لا يقبل القسمة!

حكاية المائدة والجيرة في فرجان القطيف

«يا ماعون النِّعم.. كلّ شيٍ فيه مسكوب
ماعونِك مو عدد فردي.. ما يقبل القِسمة!»

كتبتُ هذه الأبيات لأمي رحمها الله، فوجدتني أعود بها إلى زمن كانت فيه المواعين أكبر من حاجتنا، والبيوت أوسع من جدرانها، والنعمة لا تكتمل في نظر أمهاتنا إلا حين تمتد منها يدٌ إلى يد.

في فرجان القطيف القديمة، لم تكن الأم تطبخ لأهل بيتها وحدهم؛ كانت تزيد في القدر، وتترك للضيف نصيب، وللجار حصة، ولعابر السبيل مكان على المائدة. لم يكن ذلك تكلّف ولا إسراف، بل إيمان بأن «كل مشروك مبروك»، وأن الطعام حين يُتقاسم تزداد بركته، وتطيب به النفوس.

يا رزيل… ويا بليط!

ومن طرائف تلك الأيام أن بعض الأطفال، إذا لم يعجبهم غداء البيت، قصدوا بيت الجيران؛ فكانت الأم تنادي ولدها وهو خارج: «يا رزيل!» فإذا عاد، استقبلته بقولها: «جيت يا بليط!».

كانت كلمات من قاموس الأمهات الشعبي، تختلط فيها المداعبة بالتربية، وتبقى المودة أكبر من العتاب. والعجيب أن الأم التي تنادي ابنها بهذه الألقاب، قد تستقبل ابن الجيران في بيتها بكل حفاوة، وتقدّم له الطعام وكأنه واحد من أبنائها.

هكذا كانت الجيرة؛ لا تُقاس بكثرة الزيارات، بل بما بين البيوت من ألفة، وبما تعلّمه الأمهات للصغار من المشاركة، حتى قبل أن يعرفوا معنى الكرم.

البيوتة… بركة الأمس لفجر اليوم

وللطعام في تلك البيوت حكاية أخرى؛ فما تبقّى من غداء قد يكون عشاء، وما بقي من العشاء قد يُقدَّم في فطور الصباح. وكانوا يسمّون الطعام الذي يُترك إلى اليوم التالي «البيوتة»، وله مكانته عند كبار السن، الذين عرفوا قيمة النعمة، ولم يروا في حفظ الطعام نقصاً في الكرم، بل تماماً له.

«وكان المثل يقول: "سهمك في البايت وليس الفايت"؛ وهو مَثَلٌ يُضرَبُ أيضاً في حقّ من غاب عن وليمة أو أكلة يحبّها، ليبقى له فيها سهمٌ ونصيب، وعبارةٌ تختزن حكمة زمنٍ لا تُرمى فيه النعمة لمجرد أنها باتت، ولا يُنسى فيه تعب من أعدّ الطعام، ولا حق من قد ينتفع به.»

كانت الأم تدبّر ما في البيت بحكمة، وتعرف كيف تجعل القليل كافياً، وكيف تحفظ للطعام قيمته، وللمائدة بركتها.

من ماعون النعم إلى الصفر العتيج

ولم تكن ذاكرة الفرجان محصورة في الطعام؛ فقد كان الباعة المتجوّلون يمرّون بالأحياء، وينادي بعضهم على شراء «ذهب عتيج وصفر عتيج». وكان الصفر العتيج يشمل الأواني والأدوات المعدنية والنحاسية القديمة التي عاشت في البيوت سنوات طويلة، وشهدت تفاصيل الحياة اليومية، ثم خرج بعضها إلى البيع حين استغنى أهله عنه.

وهنا تستوقفني فكرةٌ لها وقع خاص في الذاكرة: لربما كان من اشترى صفراً عتيقاً قد أكل يوماً من الماعون نفسه!

ربما جلس إلى مائدة احتضنته، ومدّ يده إلى طعام تقاسمته الأيدي، ثم دارت الأيام، فخرج الإناء من البيت إلى يد أخرى. ولم يعد في الأمر مجرد إناء قديم يُباع ويُشترى؛ بل حكاية بيت، ومائدة، وأمٍّ كانت تعرف كيف تصون النعمة وتجمع أهلها حولها.

يا لها من مفارقة تختزنها ذاكرة الأشياء! بالأمس كان الماعون يحمل الطعام، واليوم يحمل حكاية البيت الذي غادره. وربما لم يعلم من اشتراه أنه اقتنى إناء عرف طعم طعامه من قبل، أو شهد مجلساً جمعه بأهله وجيرانه.

فالأشياء قد تغادر بيوتنا، لكنها لا تغادر حكاياتنا؛ وما كان يوماً وعاء للنعمة، قد يصبح غداً وعاء للذكرى.

حين كانت البركة أسلوب حياة

لم تكن البركة في فرجان القطيف القديمة كلمة تُقال فحسب؛ كانت سلوكاً نراه في قدر الطعام، وفي صحن الجار، وفي حفظ البيوتة، وفي إناء قديم لا يُستغنى عنه إلا بعد أن يؤدي ما عليه من منفعة.

وحين أتأمل عبارة أمي في أبياتي، أجد أن الماعون لم يكن عندها عدد فردي يُقسَم وينتهي، بل قلباً مفتوحاً يتسع فيه النصيب، وتلتقي عنده الأيدي، وتكبر به المودة.وهذا عند كل الامهات

رحم الله أمهات وسّعن المواعين بالمحبة، فوسّعن بها البيوت والقلوب، وعلّمننا أن النعمة لا تُقاس بما نملكه وحدنا، بل بما يبقى منها في ذاكرة من شاركونا إياها.