الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأمُّ والأبُ.. في ميزان المحبة

إبراهيم الزين · القطيف اليومالثلاثاء 13 أكتوبر 2026، 5:54 م
الأمُّ والأبُ.. في ميزان المحبة

كنت في صغري أعاني من اضطرابات باطنية تضطرني لزيارة المشافي، وغرف الطوارىء، وعيادات الباطنية ، قالوا لنا ذلك الوقت أنها بسبب القولون.

كانت الآلآم مبرحة جداً لدرجة الإعياء، والذي يجعلني أظل في المستشفى لفترات طويلة تحت المغذي والإبر التخديرية، والتي لم تكن فعالة، بالقدر الذي كان عليه حضن أمي وحنانها، ودعائها، وهو ما كان كافياً لتهدئتي وتخفيف وجعي، حتى تمام الشفاء، والحمد لله.

أسوق هذه المقدمة لإثارة سؤال، طالما يراودني ، كما يراود البعض، وهو :

من هو الأقرب إلى القلب؟، الأمُّ أم الأب؟

ويبدو أن السؤال سهلٌ في ظاهره، حيث سيحكم الكثير على أن الأم هي الأقرب، فيما الحقيقة مختلفة واقعاً، وإن كان غير ملموسٍ عند الكثير ظاهراً، إذا ما وصعناه على ميزان العدالة والإنصاف.

فالحب الفطري الصادق لا يخضع عادةً للمقارنات، ولا يوزن بميزان المفاضلة.

فقد يميل القلب في موقفٍ إلى حضن الأم، وإلى ظل الأب في موقفٍ آخر، دون أن ينتقص من مكانة أحدهما، أو من عمق المحبة له.

لنلحظ، أن الإنسان من طفولتهِ، ومن لحظة أن يفتح عينيه على الحياة، يجد نفسه في كنفِ قلبين لا يشبهان غيرهما، قلبُ أمٍ يحتضنه، وقلبُ أبٍ يسنده، وبين الإثنين تبدأ رحلة الحب الأولى، قبل أن يتعلم الكلام، ويعرف الأسماء، ويدرك معنى الهوية والانتماء.

الأم في ذاكرتنا الإنسانية يا أصدقاء ليست مجرد امرأة، بل هي أول وطن عرفناه قبل أن نعرف الأوطان، فمنه يبدأ إحساسه بالأمان، وحين يخرج من عالمه الأول تستقبلته أمهُ بالبشر والاحتضان، ويتعلم منها كيف يعبِّر عن خوفه وضعفهِ وحاجته، وعن غمهِ وحزنهِ، وفرحه وسعادته ، وهو بذلك كله يعبر عن شيء واحد فقط، ألا وهو الحب.

وأما الأب، فهو الوجه الآخر من المحبة، التي لا تُقاس بالعاطفة الظاهرة دوماً، بل بما يمنح من ثبات واطمئنان، فهو الذي ينير الدرب، ويذلل الصعاب، ويمهد الطرقات بالكد والجهد وبالبذل والعطاء دون منة ولا تفضل، وهو العقل الذي يقدّم النصح والإرشاد، والصوت الذي يعلّم الصبر والقوة، والفرج حين تضيق الأنفس، وهو الملجأ حين تتشابك القرارات، وتتعدد الخيارات، فيجد عنده الأبناء خبرة التجربة، وسداد الرؤى، والحل لكل معضلة وعقبة .

ولا يختلف ذلك سواء عند الصغار أو الكبار، فحتى الكبير، حينما تضج به الحياة، لا يبحث سوى عن حضن الأم ليضمه ، وظهر الأب ليسنده، إن كان أحدهما أو كليهما على قيد الحياة ، فهما الأقوى عنده، وإن كبرا وضعفا.

من هذا التنوع الجميل بين دورَي الأم والأب، تتجلى الفطرة الإنسانية في أبهى صورها، فالإنسان لم يُخلق ليحب أحدهما على حساب الآخر، بل ليجد في كل منهما معنىً مختلفاً يكمل المعنى الآخر، فالأب و الأم، يشكلان معاً البيئة الأولى التي تنمو فيها شخصية الإنسان وقيمه ومشاعره.

غير أن العالم الحديث أخذ يدفع أحياناً نحو أنماط جديدة من العلاقات الأسرية، تقوم على الاستقلال المبكر والانفصال السريع عن الأسرة، وأصبحت الصلات في بعض البيئات تُختصر في رسائل عابرة أو مكالمات متباعدة، وكأن العلاقة بين الأبناء ووالديهم يمكن أن تُختزل في واجب اجتماعي محدود وباهت.

ورغم أهمية الاستقلال وتحمل المسؤولية، وهو أمرٌ طبيعي، فإن الفطرة الإنسانية لابد وأن تبحث عن جذورها الأولى، فالإنسان يظل محتاجاً إلى الشعور بالانتماء، وإلى تلك الروابط التي تمنحه الإحساس بأنه جزء من قصةٍ أكبر من ذاته، ولهذا لا يمكن أن تكون الأسرة مجرد صورة داخل إطار تجمع الأفراد، بل هي الوعاء الأول للقيم، ومدرسة المحبة الصادقة، والمصدر الأسمى للهوية.

ومن هنا تبدأ رحلة الأصالة، فكل أسرة تحمل في داخلها تاريخاً خاصاً، وتجربة متوارثة، وقيماً تنتقل من جيل إلى آخر. وحين تضعف الروابط العاطفية أو تتفكك العلاقات الأسرية، لا يخسر الأفراد وحدهم دفئهم الإنساني فقط ، بل يخسر المجتمع أيضاً جزءاً من قوته وتماسكه.

المجتمعات العظيمة لا تُبنى بالقوانين وحدها فقط، وإنما تُبنى هناك أولاً، داخل البيوت، وفي تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، التي يتعلم الطفل منها معنى الاحترام، ويتعرف إلى قيمة الرحمة، ويدرك أن المسؤولية ليست كلمة تُقال، بل سلوك يُمارس، وكل أسرة تنجح في غرس هذه المعاني، تضع حجراً جديداً في بناء مجتمع أكثر قوة وأصالة وصلابة.

لذلك يبقى التحدي الحقيقي ليس في معرفة أي الوالدين أقرب إلى القلب، بل في المحافظة على التوازن بين المشاعر والواجبات. فقد يميل القلب أحياناً إلى أحدهما بحكم ظرف، أو مرحلة، أو طبيعة علاقة، لكن البر والاحترام والمحبة الصادقة يجب أن تبقى شاملة لهما معا.

في النهاية، نخلص بأنه لا تفاضل بينهما ولا تمايز، وليست الأسرة محطة عابرة في حياة الإنسان، بل هي البداية التي يتشكل منها كل شيء، ومنها تنبثق القيم، وتتجذر الأصالة، وعبرها يجد الإنسان جذوره الممتدة في الماضي، وأثره المتواصل للمستقبل، وحين يدرك هذه الحقيقة، يتوقف عن السؤال : من أحب أكثر؟ ليبدأ سؤالاً أجمل وأكمل : كيف أحافظ على هذا الحب؟ وأورثه لمن هو بعدي في شكل تربية وتعليم وإدراك حقيقي لمعنى الأسرة القويمة.

والسلام