الجمعة 30 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

شماعة النرجسية

محمد الصغير · القطيف اليومالجمعة 30 أكتوبر 2026، 7:11 م
شماعة النرجسية

أصبح لفظ النرجسية شماعة جاهزة يعلق عليها بعض الأزواج خلافاتهم ومشكلاتهم اليومية، سواء كان الاتهام موجهاً من الزوج إلى الزوجة أو من الزوجة إلى الزوج، فكلما تعكر مزاج أحدهما من الآخر بسبب أو من دون سبب واضح، سارع إلى وصفه بالنرجسي، وكأنه طبيب نفسي أجرى له الفحوصات اللازمة وشخّص حالته بكل دقة، مستخدماً المناظير والأشعة، وربما أدخله المختبر لإجراء التحاليل المطلوبة.

لكن هل نفهم فعلاً ما هي النرجسية حتى نحكم بها على الآخرين؟ وهل نعرف خصائصها وسلوكياتها؟ أم أنها مجرد كلمة نسمعها في وسائل التواصل الاجتماعي ونرددها كلما اختلفنا مع شخص أو لم يعجبنا تصرفه؟

أصبحت هذه الكلمة تتردد على ألسنتنا بصورة لافتة، حتى بات البعض يطلقها على كل شخص لا يتنازل عن حقه أو لا يستجيب لرغبات الطرف الآخر، وربما لمجرد أنه قال كلمة لم تعجب من أمامه أو اتخذ موقفاً لم يكن متوقعاً منه.

ولعل المؤلم في الأمر أن بعض هذه الاتهامات لا تتوقف عند لحظة الغضب، بل تتحول مع الأيام إلى كلمات جارحة تسكن الذاكرة وتترك أثراً في العلاقة. تخيل زوجين عاشا سنوات طويلة وتقاسما تفاصيل الحياة بحلوها ومرها، ثم يصبح كل خلاف بينهما مناسبة لتبادل الاتهامات والأوصاف النفسية. بدلاً من أن يجلسا ويتحدثا عما يزعجهما، يصبح كل واحد منهما مشغولاً بإثبات أن الآخر هو المشكلة.

وقد تكون هناك كلمة قيلت في لحظة غضب، أو موقف لم يُفهم كما ينبغي، أو طلب لم تتم الاستجابة له، لكن بدلاً من الحوار والتفاهم نجد أنفسنا أمام أحكام جاهزة قد تهدم ما بنته سنوات من العشرة والمودة.

والأمر الذي يستحق التوقف عنده أن الاختلاف في الرأي والتمسك بالحقوق وعدم الموافقة على كل ما يطلبه الطرف الآخر ليست بالضرورة صفات نرجسية، فالإنسان له شخصيته وكرامته وحدوده، ومن الطبيعي أن يختلف مع غيره حتى مع أقرب الناس إليه.

النرجسية مفهوم نفسي له دلالاته وخصائصه، ولا يصح اختزاله في موقف عابر أو خلاف يومي، كما أن تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية ليس مهمة الأزواج ولا الأصدقاء ولا متابعي وسائل التواصل الاجتماعي، بل يحتاج إلى تقييم من مختص مؤهل.

لسنا مضطرين إلى أن نضع لكل شخص لا نتفق معه وصفاً نفسياً، ولا أن نحول كل خلاف إلى مرض، فربما تكون المشكلة في سوء الفهم أو اختلاف الطباع أو ضعف الحوار أو حتى في عدم قدرتنا على تقبل أن للآخر رأياً مختلفاً عنا.

قبل أن نطلق وصف النرجسية على أحد، لنتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا: هل نعرف فعلاً ما نقوله؟ أم أننا وجدنا في هذه الكلمة شماعة نعلق عليها كل ما لا يعجبنا في الآخرين؟

فليس كل من خالفنا نرجسياً، وليس كل من رفض طلبنا متسلطاً، وليس كل من تمسك بحقه مصاباً باضطراب نفسي.

العلاقات الإنسانية لا تحتاج إلى مزيد من التشخيصات بقدر ما تحتاج إلى شيء من التفهم والاحتواء والحوار، فليس من العدل أن نختصر إنساناً كاملاً في كلمة، ولا أن نمحو سنوات من العشرة بسبب خلاف عابر.

فربما نحتاج أحياناً إلى أن نراجع طريقة تعاملنا مع الآخرين قبل أن نسارع إلى تشخيصهم، وأن نتعلم كيف نختلف دون أن نجرح، وكيف نعاتب دون أن نتهم، وكيف نحافظ على المودة حتى عندما لا نتفق…