الأربعاء 4 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الشرفة في بيوتنا التقليدية

إسماعيل هجلس · القطيف اليومالأربعاء 4 نوفمبر 2026، 12:53 م
الشرفة في بيوتنا التقليدية

مسودة

أرى أن هذا الموضوع يستحق مقالاً معمارياً وثقافياً؛ ليش!

لأن الشرفة في بيوتنا القديمة لم تكن تفصيلاً إنشائياً أو مساحة زائدة، كانت جزءاً من طريقة العيش داخل البيت، ومن تنظيم العلاقة بين الإنسان والهواء والضوء والخصوصية.

هكذا جاء العنوان!

الشرفة حين كان للبيت متنفّس

من الشرفة الداخلية إلى البرندة والبلكونة.

حكاية فراغ معماري تغيّرت وظيفته مع الزمن.

في بعض البيوت التقليدية، لم تكن الشرفة مساحة خارجية بارزة كما نعرفها اليوم، بل كانت فراغاً داخلياً أو شبه داخلي، يطل على فناء البيت (الحوي)، ويشكّل مستراحاً أو ممراً أو مكاناً للجلوس والراحة لمشاهدة تفاصيل الحياة اليومية في البيت.

هي مساحة صغيرة صحيح ولكن! تؤدي دوراً مهماً في تهوية البيت، واستقبال الضوء والهواء، وتمنح ساكنيه فسحة للراحة مع الحفاظ على الخصوصية يعني ماحد يشوف اللي في البيت، ومن هنا بدأت عندي حكاية هذا العنصر المعماري لما شفتها في أكثر من بيت (الجشي والسني ونصر الشيخ)، وكيف تطورت صورته ووظيفته عبر الزمن، من الشرفة الداخلية إلى البرندة والبلكونة، إنها الشرفة، أو ما عرفته بعض البيوت باسم البرندة، ثم البلكونة في مراحل لاحقة!

من أين جاءت الشرفة؟

ترتبط كلمة الشرفة في العربية بمعنى العلو والإشراف والاطلاع؛ فهي المكان الذي يشرف منه الإنسان على ما حوله. أما في العمارة، فهي مساحة متصلة بالمبنى تتيح الإطلالة والجلوس والتواصل البصري مع المحيط.

وللشرفة تاريخ معماري قديم، عرفته حضارات متعددة، من بلاد بابل والأغريق وفارس ومصر إلى اليونان والرومان، ثم تطورت أشكالها ووظائفها عبر العصور. ولم تكن صورتها واحدة؛ فقد ظهرت أحياناً كمساحة بارزة على الواجهات، وأحياناً كفراغ مسقوف مفتوح من جوانبه، أو كمساحة داخلية تحيط بفناء المبنى.

وفي العمارة العربية والإسلامية، تعددت الأشكال والمسميات، فظهرت الإيوانات والأروقة والشرفات والشناشين، والرواشين والمشربيات، ولكل منها خصائصه، وهي عبارة عن امتداداً خشبياً بارزاً للخارج، يتيح التهوية والإنارة والتحكم في الخصوصية والرؤية، فيما كانت الممرات والأروقة المطلة على الأفنية الداخلية الحوي، توفر الظل ومكاناً للجلوس والحركة.

الشرفة في البيت التقليدي

في بعض البيوت التقليدية، نجد نمطاً مختلفاً من هذه المساحات؛ إذ تتصل الغرف العلوية بفراغ شبه مفتوح أو مسقوف، يطل على الحوي الداخلي، وقد تأتي هذه المساحة على هيئة ممر واسع أو رواق أو شرفة داخلية، وتكون محمية من أعين الغريب، بما يحفظ خصوصية أفراد الأسرة.

ماهي وظيفتها!

لم تكن وظيفتها (مجاز) مقتصرة على المرور بين الغرف، بل كانت مكاناً للجلوس، واحتساء الشاي، ومتابعة أو مشاهدة حركة البيت، والراحة في أوقات اعتدال الجو. كما أتاحت تواصلاً بصرياً بين طوابق المنزل، وربطت أجزاءه المختلفة ضمن فضاء عائلي واحد (بيت عائلة السني والجشي ونصر بن الشيخ الكرام جزيرة تاروت - الديرة - مثال).

هنا تظهر قيمة التصميم التقليدي؛ فقد استطاع أن يجمع بين الانفتاح داخل حدود البيت والانغلاق تجاه الخارج، وهي معادلة مهمة في ثقافة السكن المحلي.

من الشرفة إلى البرندة والبلكونة

مع دخول ثقافات أخرى وتطور البناء ودخول مواد وتقنيات جديدة، خصوصاً الخرسانة المسلحة، بدأت تتغير صورة البيت الخليجي. وظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين أنماط سكنية أكثر تأثراً بالتصاميم الحديثة، وانتشرت الشرفات الخارجية في واجهات المنازل والفلل.

ثم دخلت إلى التداول أسماء متعددة؛ منها البرندة، وهي تسمية انتشرت في عدد من البلدان، ويرتبط أصلها اللغوي بمسار هندي وبرتغالي، ومنها البلكونة ذات الأصل الإيطالي، التي تقابلها في الفرنسية كلمة Balcon.

ولم يكن هذا التحول لغوياً فقط، بل كان تحولاً في طبيعة الفراغ نفسه؛ فبعد أن كانت الشرفة في كثير من البيوت التقليدية تتجه إلى الداخل وتطل على الحوي للخصوصية، أصبحت في البيوت الحديثة تمتد إلى الخارج، وتطل على الشارع أو الحديقة أو المساحة المحيطة بالمنزل هو عالم مختلف تماماً من الثقافة التي نحن عليها.

وفي بعض البيوت بالمنطقة بشكل عام، والتي انتشرت خلال السبعينيات وبدايات الثمانينيات الميلادية، أصبحت البلكونة والبرندة من ملامح البناء الحديث، واستخدمتها الأسر مكاناً للإفطار، وشرب القهوة، والجلوس مساءً، والاستمتاع بالهواء الطلق.

لماذا اختفت البلكونة من بيوتنا الحديثة؟

من الملاحظ أن كثيراً من البرندات التي كانت حاضرة في بيوت العقود الماضية فقدت وظيفتها تدريجياً، وأغلقت بالزجاج أو الألمنيوم، أو أضيفت إلى مساحة الغرفة، وتحول بعضها إلى مخزن للأغراض والأثاث، فيما بقي بعضها الآخر مهملاً لا يستخدمه أهل البيت.

وقد ارتبط ذلك بعدة عوامل، منها:

* ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة والغبار في بعض المواسم، وما يتطلبه الجلوس الخارجي من تظليل وحماية.
* تغير نمط الحياة اليومية، والاعتماد المتزايد على أجهزة التكييف والفراغات الداخلية المغلقة.
* تغير مفهوم الخصوصية، خصوصاً مع تقارب المباني وارتفاعها، وانكشاف الشرفات على الجيران والشارع.
* الرغبة في زيادة المساحة الداخلية للغرف، واستغلال كل متر مربع من المنزل.
* ضعف العناية بتأثيث الشرفة وتصميمها بما يتناسب مع المناخ والاستخدام.

وهكذا تحولت مساحة كانت مخصصة للراحة والتواصل مع الهواء والضوء إلى مساحة إضافية مغلقة، أو مكان لتجميع الأشياء التي لا نجد لها موضعاً آخر.

هل يمكن أن تعود الشرفة إلى بيوتنا المعاصرة؟

بالتأكيد، وليس المطلوب أن نستعيد شكلها القديم حرفياً، بل أن نستعيد فكرتها ووظيفتها، ونطورها بما يتناسب مع احتياجاتنا الحالية.

يمكن أن تكون الشرفة جزءاً من تصميم المنزل منذ مراحله الأولى كما رأيته في بعض بيوت الإخوة والأصدقاء، سواء أكانت داخلية تطل على فناء البيت، أم خارجية تتصل بغرفة المعيشة، أم برندة مسقوفة توفر مساحة للجلوس.

ومن الممكن أن نعيد تقديمها بعدة معالجات معمارية:

* شرفة داخلية تطل على الحوي، تحافظ على الخصوصية وتسمح بالتواصل بين طوابق المنزل.
* برندة مظللة بامتداد سقفي، مع فتحات تسمح بمرور الهواء وتحد من أشعة الشمس المباشرة.
* استخدام المشربيات أو الشاشات الخشبية المثقبة والحواجز الزخرفية لتوفير الخصوصية دون حجب الهواء والضوء.
* إضافة النباتات والأحواض الزراعية ومقاعد مريحة وإضاءة هادئة.
* هذا مهم جداً: اختيار اتجاه الشرفة وعمقها بعناية، والاستفادة من الظلال الطبيعية، مع مراعاة حرارة المنطقة ورطوبتها واتجاه الرياح.
* توفير إمكانية إغلاقها جزئياً عند الحاجة، دون أن تفقد علاقتها بالفضاء الخارجي.

الشرفة ليست مساحة زائدة

حين نتأمل البيوت القديمة، ندرك أن كثيراً من عناصرها لم تأتِ اعتباطاً؛ فلكل فراغ وظيفة، ولكل فتحة علاقة بالضوء والهواء، ولكل مساحة أثر في حياة ساكنيها.

كانت الشرفة مساحة بين الداخل والخارج، وبين الخصوصية والانفتاح، وبين الحركة والسكون. مكاناً يمنح الإنسان فرصة أن يبتعد قليلاً عن تفاصيل يومه، دون أن يغادر بيته.

ولعلنا اليوم، ونحن نعيد التفكير في جودة الحياة داخل منازلنا، بحاجة إلى استعادة مثل هذه المساحات، لا لأنها مظهراً معمارياً قديماً، بل باعتبارها حاجة إنسانية يمكن أن تتجدد بصور معاصرة.

فليس كل ما نحتاج إليه في البيت غرفة إضافية، ولا كل مساحة يمكن أن تتحول إلى مستودع أو امتداد لمجلس؛ أحياناً نحتاج إلى مساحة نفتح فيها نافذة، ونجلس فيها قليلاً، ونترك للهواء والضوء مكاناً بيننا.

فهل بقي في بيوتنا الحديثة!!!

مكان لشرفة تعيد إلينا شيئاً من روح البيت؟

صورة حقيقية معالجة بالذكاء الإصطناعي
القطيف القلعة السدرة