العطاء يحتاج إلى تنظيم

تعقيبا على ما طرحه الدكتور ماهر آل سيف في مقاله (بين كرم العطاء وحكمة التدبير) أجد أن هناك جانبا آخر يستحق الوقوف عنده وهو أهمية تنظيم المساعدات وتوحيد جهود المتبرعين حتى يصل الخير إلى مستحقيه
لا شك أن مساعدة المحتاج من أجمل صور التكافل بين الناس وهي صفة طيبة اعتاد عليها مجتمعنا وتوارثتها الأجيال فكم من إنسان مد يد العون لغيره دون انتظار مقابل وكم من أسرة وجدت من يقف إلى جانبها في ظروف صعبة لكنني أرى أن العطاء يحتاج أيضا إلى شيء من التنظيم حتى يحقق الغاية منه
ومن هنا تبرز أهمية توحيد جهود المتبرعين من خلال الجمعيات الخيرية لتكون هناك جهة تعرف الحالات وتدرس احتياجاتها وتتابع ظروفها وتوزع المساعدات بعدالة فليس من المنطقي أن تحصل بعض الحالات على المساعدة من أكثر من شخص أو جهة بينما توجد أسر أخرى أشد حاجة لكنها لا تعرف كيف تطلب العون أو تفضل الصمت حفاظا على كرامتها
وحتى لو جاء شخص إلى المتبرع مباشرة وطلب المساعدة فليس معنى ذلك أن نرده أو نغلق الباب في وجهه بل يمكن توجيهه إلى الجمعية الخيرية ويقدم المتبرع ما تجود به نفسه عن طريقها لتتولى دراسة حالته ومساعدته وبهذا لا نحرم أحدا من الخير وفي الوقت نفسه نضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها
ولا يعني ذلك أن نشكك في كل من يطلب المساعدة فهناك أناس تضيق بهم الظروف ولا يجدون أمامهم إلا السؤال وهناك أسر متعففة تعيش ظروفا صعبة ولا يعرف أحد عن حاجتها شيئا لكن في المقابل لا يمكن تجاهل حالات الاستغلال والتلاعب بحجة الفقر والحاجة وهو ما قد يؤثر في ثقة المتبرعين ويجعلهم يترددون في مساعدة الآخرين
ومن المهم أيضا أن تكون الجمعيات قريبة من الناس وسهلة الوصول إليها وأن تتعامل مع الحالات الإنسانية بمرونة وسرعة لأن المحتاج لا ينبغي أن يضطر إلى الانتظار طويلا أو المرور بإجراءات معقدة حتى يحصل على مساعدة يحتاجها في وقتها
إن توحيد جهود المتبرعين لا يعني الحد من العطاء الفردي أو التقليل من قيمته بل يعني أن نضع هذا الخير في مساره الصحيح وأن نتعاون حتى تصل المساعدات إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين
فالخير لا يقل عندما ننظمه بل يزداد أثره والأجمل أن تصل يد العطاء إلى من يحتاجها فعلا دون أن تنكسر كرامته أو يضيع حقه فالعطاء رحمة والتدبير مسؤولية وكلاهما يكمل الآخر…



