الجمعة 6 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«على أبوي»… حكاية دفتر وثقة وشقاوة جهال

عبد الله أبو رشيد · القطيف اليومالجمعة 6 نوفمبر 2026، 11:41 ص
«على أبوي»… حكاية دفتر وثقة وشقاوة جهال

من ذاكرة دكاكين الفريگ القطيفية

هناك كلمات شعبية لا تحتاج إلى شرح طويل حتى تعيدنا إلى زمنها؛ يكفي أن نسمعها حتى تتحرك في داخلنا صور من أيام مضت، وتعود بنا الذاكرة إلى دكاكين الفريگ، وأبوابها المفتوحة، ووجوه أصحابها التي ألفناها منذ الصغر.

ومن تلك الكلمات عبارة «على أبوي»، وهي من التعابير الشعبية القديمة التي تداولناها في صغرنا، وسمعناها من غيرنا، وكانت حاضرة في تعاملاتنا اليومية مع أصحاب الدكاكين.

كان الواحد منّا يدخل الدكان، ويطلب ما يحتاج إليه من أغراض، ثم يقول بكل بساطة: «على أبوي»، أي سجّلها في الدفتر، والحساب على الوالد. وكان المقصود بالصبر هو الشراء بالدَّين، وتأجيل السداد إلى وقت لاحق.

لم تكن هذه المعاملة مجرد طريقة للبيع والشراء، بل كانت تقوم على الثقة والمعرفة المتبادلة بين راعي الدكان وربّ الأسرة. فالدفتر لم يكن مفتوحاً لكل أفراد العائلة، وإنما كان فتح الحساب من صلاحيات الأب، فهو الذي يأذن، وهو الذي يحدد لأبنائه حدود التخويل؛ فمنهم من يُسمح له بشراء الاحتياجات الأساسية، ومنهم من يمتد الإذن الممنوح له إلى بعض الكماليات، مثل الألعاب والحلاوة وبعض المشروبات الغازية التي كانت تستهوي الجهال.

وكان لكل عائلة حسابها المعروف لدى راعي الدكان، ولكل دفتر حكاياته، لكن شقاوة الصغار لم تكن تخلو من محاولات التحايل على هذه الثقة. فقد كان بعض الجهال الأشقياء، ممن لا تملك عوائلهم دفتراً لدى الدكان، أو لا يملكون صلاحية الشراء على حساب آبائهم، يلجؤون إلى انتحال أسماء أشخاص من عوائل أخرى لها حساب مفتوح، فيطلبون أغراضهم على حساب غيرهم، وسرعان مايتم كشفهم متناسين معرفة راعي الدكان بالعوائل وأبنائها. إلا أذا ذهب صاحب الدكان لمهمة وأوكل احد غير ليحل مكانه
فأنها تمر وبعض الاطفال كانوا يراقبون صاحب الدكان.

ولعل من أطرف ما تختزنه الذاكرة في هذا السياق حكاية معاجين الأسنان، التي كان يُطلق عليها في ذلك الوقت اسم «دواء ضروس». فعندما دخلت هذه المعاجين إلى الدكاكين، أدرجها الآباء ضمن المواد المتاحة للأبناء، وأصبحت من المشتريات التي يمكن أخذها بالصبر، وعلى بند «على أبوي».

لكن الذكاء الطفولي كان له رأي آخر، فقد وجد بعض الصغار في هذا السماح فرصة لمغامرة تجارية صغيرة!

تبدأ الحكاية حين توصي إحدى النساء ولد الجيران بإحضار معجون أسنان، وتعطيه ثمنه نقداً. فيأخذ الولد المبلغ ويضعه في جيبه، ثم يتوجه إلى الدكان ويطلب المعجون على الصبر، ويسجله راعي الدكان في دفتر الحساب على بند «على أبوي».

وهكذا يعود الولد بالمعجون إلى من طلبته، بينما يحتفظ بالمبلغ النقدي في جيبه، وتبقى قيمة المعجون مسجلة على حساب والده!

حيلة طفولية فيها شيء من الدهاء، وربما بعض التجاوز، لكنها تكشف عن أساليب التفكير والمغامرة التي كانت تدور في عالم الصغار، وكيف استطاع بعضهم أن يوظف سماح الآباء بالشراء بالدَّين في تحقيق مصلحة صغيرة لنفسه.

ولم تكن دكاكين الفريگ مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت جزءاً من النسيج الاجتماعي للحي؛ فصاحب الدكان يعرف أهل الفريگ بأسمائهم وعوائلهم، ويحفظ وجوه أبنائهم، ويعرف من يملك الإذن بالشراء ومن لا يملكه. وكان الدفتر أشبه بسجل للعلاقات والثقة قبل أن يكون سجلاً للمبالغ والمشتريات.

كانت الحياة يومها أبسط في تفاصيلها، لكنها غنية بمعانيها الإنسانية. لم تكن النقود في جيوب الصغار دائماً، ولم تكن كل رغبة تتحقق في حينها، لكن الدكان كان قريباً، وراعيه معروفاً، والثقة المتبادلة تفتح أبواباً كثيرة.

واليوم، حين نستعيد عبارة «على أبوي»، فإننا لا نستعيد طريقة قديمة في الشراء بالدَّين فحسب، بل نستعيد وجوهاً وأماكن وأصواتاً، ونستحضر طفولة كان للحلاوة فيها مذاق مختلف، وللعبة أمنية، وللمشروب الغازي فرحة، وحتى لمعجون الأسنان حكاية تستحق أن تُروى.

يا لذاك الزمن! حتى «دواء ضروس» كان له نصيب من شقاوة الجهال، وحتى دفتر «على أبوي» كانت له أسراره وحكاياته.

فهل بقي من يتذكر تلك العبارة، أو يحتفظ في ذاكرته بحكاية من حكايات دفتر الدكان؟

إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها صفحات من تاريخنا الاجتماعي القطيفي، تستحق أن نحفظها ونرويها للأجيال؛ فتراثنا ليس في البيوت القديمة والنخيل والأدوات والمقتنيات وحدها، بل في كلماتنا اليومية، وعاداتنا، وعلاقاتنا، وحتى في شقاوة صغارنا التي أصبحت اليوم من أجمل ذكرياتنا.