الجمعة 6 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولًا 26 | قضاء ما فات الأب من الصلاة والصوم

صُبرةالجمعة 6 نوفمبر 2026، 12:46 م
القرآن أولًا 26 | قضاء ما فات الأب من الصلاة والصوم

الشيخ علي الفرج

من المسائل الفقهية المشهورة في الفقه الإمامي مسألة وجوب قضاء الصلاة والصوم عن الأب المتوفى، وإلزام الابن الأكبر بأدائهما عنه. وقد اشتهر هذا الحكم بين الفقهاء حتى ادُّعي فيه الإجماع، وقد عبّر السيد الخوئي عنه بقوله: «بلا إشكال ولا خلاف فيه في الجملة، وقد قام عليه الإجماع، وتظافرت به الأخبار».

وقد وقع التسالم بينهم على أصل وجوب القضاء إجمالًا، وانصبت مناقشات الفقهاء على فروع المسألة وتفصيلاتها، كإلحاق الأم بالأب، وشمول الحكم للصلاة التي تركها الأب عمدًا أو لعذر، وتحديد المراد بـ(الولي) في الروايات، وغير ذلك من الجهات المتفرعة عن المسألة.

ومن هذا المنطلق، نبحث المسألة في ضوء مرجعية القرآن، بعيدًا عن الاحتكام إلى الإجماع الفقهي أو التأثر بكثرة القائلين بهذا الحكم، مهما علت مكانتهم العلمية؛ إذ يبقى الميزان في إثبات الأحكام هو الدليل القرآني.

الاستناد إلى القرآن

١ ـ لا توجد في القرآن دلالة على وجوب قضاء الفوائت العبادية عن الأب المتوفى على الولي أو الابن الأكبر. نعم، يمكن أن يكون قضاؤها عنه من مصاديق البر والإحسان المستحب إلى الوالدين، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، فهو شامل للأبوين.

وهذا يدل على مشروعية الإحسان والبر، من دون أن يثبت به وجوب قضاء الفوائت على الولي أو الابن الأكبر.

٢- بل تدل الآيات القرآنية على أن مسؤولية العمل تتعلق بصاحبه وحده، ولا تنتقل تبعاته إلى غيره؛ قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فجعل لكل نفس مسؤولية ما كسبت، ولم يجعل على الابن مسؤولية ما تركه أبوه من أعمال. وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: ٣٩]، فربط استحقاق الإنسان بسعيه، ولم ينسب إليه سعي غيره. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وهي قاعدة قرآنية عامة تنفي تحميل الإنسان تبعة عمل غيره، وتؤكد أن كل إنسان مسؤول عن عمله وتقصيره، ولا تنتقل هذه المسؤولية إلى غيره لرابطة القرابة، سواء أكان أبًا أم ابنًا أم غيرهما.

والمتحصل: أن إلزام الابن بقضاء ما فاته من صلاة أبيه يحتاج إلى دليل قرآني صريح يثبت انتقال هذه المسؤولية من الأب إلى الابن، بوصفه حكمًا استثنائيًا يخرج عن القاعدة القرآنية العامة التي تجعل كل إنسان مسؤولًا عن عمله وحده. ومثل هذا الاستثناء لا يثبت بالاحتمال أو الشهرة الفقهية، وإنما يحتاج إلى نص قرآني واضح وصريح، دلالته بيّنة كوضوح الشمس في رابعة النهار.

نعم، يمكن أن يكون قضاؤها عنه من مصاديق البر والإحسان المستحب، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، من دون أن يستلزم ذلك الوجوب.

استدلال الفقهاء بالروايات

يمكن حصر الروايات التي استند إليها الفقهاء في إثبات وجوب قضاء الصلاة والصوم عن الأب المتوفى على الابن الأكبر في ثلاث روايات، وهي الروايات التي وقع الاستدلال بها في كلماتهم لإثبات أصل هذا الحكم:

١ ـ معتبر حفص بن البختري عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام، قال: «يَقْضِي عَنْهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ». قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: «لَا، إِلَّا الرِّجَالَ».

٢ ـ رواية ابن أبي عمير عن محمد بن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل يموت وعليه صلاة أو صوم، قال: «يَقْضِيهِ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ».

وهذه الرواية الثانية مرسلة، فلا يثبت لها سند مستقل، كما يُحتمل اتحادها مع الرواية الأولى، بالنظر إلى التشابه في الراوي والمروي والقرائن المحيطة بالنقل؛ الأمر الذي يفتح احتمال كونهما رواية واحدة وردت بصيغتين مختلفتين، لا روايتين مستقلتين.

٣ ـ رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «الصَّلَاةُ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمَيِّتُ يَقْضِي عَنْهُ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ».

وهذه الرواية تختص بقضاء الصلاة دون الصوم، كما أنها واردة في خصوص ما إذا توفي الأب مع اتساع وقت أداء الصلاة وعدم أدائها. ولا تتضمن دلالة واضحة على شمول الحكم لجميع الصلوات الفائتة عنه، بمختلف الحالات والظروف. فلا يصح التوسع في دلالتها وتحميلها ما لا تدل عليه، ولا يصح الاستناد إليها دليلًا لإثبات حكم أوسع من موردها.

أقول:

لا يبقى لدينا، بعد احتمال اتحاد الروايتين الأولى والثانية، إلا رواية واحدة. وأما الرواية الثالثة، فلا تثبت هي الأخرى الحكم المدّعى؛ لخروجها عن محل النزاع، وعدم دلالتها على وجوب قضاء جميع الفوائت العبادية عن الأب المتوفى.

وإذا كانت الرواية الواحدة لا تكفي لإثبات الحكم وفق نظرية الوثوق، فضلًا عن مرجعية القرآن، فإننا نتساءل: لو كان قضاء الصلاة عن الأب المتوفى واجبًا شرعًا على الابن الأكبر، أفلا يُتوقع أن تكثر الروايات الواردة في بيان هذا الحكم، وأن تُنقل عن كبار أصحاب الأئمة (ع)، أمثال زرارة ومحمد بن مسلم وجميل بن دراج وغيرهم؟

وهذا يفتح باب التأمل في مدى ثبوت هذا الوجوب، حتى وفق المباني القائمة على حجية الروايات.

تأثير العلماء والتأثر بالإجماع

قد يُستدل على هذا الحكم بالإجماع أو الشهرة الفتوائية، غير أن كثرة القائلين به، مهما بلغت، لا تجعله حكمًا منصوصًا عليه في كتاب الله، وهذا ما تقتضيه مرجعية القرآن. وحتى على مبنى مرجعية الروايات، فإن صحة الحكم لا تُقاس بكثرة الناقلين أو اتفاق الفقهاء وشيوع القول بينهم، وإنما بمدى قيام الدليل والبرهان عليه، وقوة مستنده الشرعي؛ فالعبرة بالدليل، لا بكثرة القائلين.

ومن أخطر ما قد يواجه البحث الفقهي تأثر الباحث بأقوال السابقين إلى حدّ يمنعه من إعادة النظر في أدلتها ومناقشة مستنداتها. ولذلك قد يحتاج الفقيه إلى التحرر من هيمنة الإجماع والشهرة على ذهنه، حتى يتمكن من النظر في الدليل باستقلالية وموضوعية؛ فقد لا تتضح قوة الدليل إلا بعد تجريد البحث من تأثير الأقوال الموروثة، والرجوع إلى مستند الحكم بعيدًا عن سلطة الكثرة وشيوع الفتوى.

تقليل التكاليف لا تكثيرها

إن المنطلق الصحيح في استنباط الأحكام الشرعية هو مراعاة أصل التيسير في التشريع الإلهي، ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].

وبناءً على ذلك، ينبغي عدم التوسع في دائرة الواجبات والمحرمات من دون دليل شرعي واضح وصريح، قائم على حجة وبرهان.

وفي موضوعنا، حتى لو سلّمنا بوجود رواية يستند إليها في وجوب قضاء الابن الأكبر ما فاته أبوه من صلاة، فإن الإشكال يتأكد في مورد الأب الذي تعمّد ترك الصلاة طوال حياته، حتى بلغ سبعين سنة من العمر، ثم توفي من دون أن يقضي ما فاته؛ إذ يذكر السيد الخوئي أن على الابن الأكبر قضاء تلك الصلوات جميعًا على الأحوط لزومًا. وهذا الإلزام يثير إشكالًا في ضوء أصل التيسير ونفي الحرج في التشريع القرآني؛ إذ كيف يُحمَّل الابن تبعة تقصير أبيه المتعمد طوال سبعين سنة، مع أن القرآن يجعل مسؤولية العمل على صاحبه؟ فإن إثبات مثل هذا التكليف يحتاج إلى دليل قرآني واضح وصريح، يثبت هذا الاستثناء من القاعدة العامة، ولا يكفي فيه الاحتياط اللزومي.