السبت 7 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مهلاً أيها اللاهثون نحو النقد… ولا عزاء للناقدين

غالية المحروس · القطيف اليومالسبت 7 نوفمبر 2026، 2:25 م
مهلاً أيها اللاهثون نحو النقد… ولا عزاء للناقدين

لدى الكتابة سرٌ خفي، لا تبوح به إلا وقت التحديات، هكذا أجدها، مسؤولية دون ترف، لأكتب عن مواقف ومشاعر ربما تخلدها الذاكرة. حيث يخذلني التكرار بالكتابة التقليدية حدّ الاستفزاز، مدركةً أن الروتين الأجوف هو ما يسلب المرء دهشته وموهبته، ويطفئ فيه توهج الحرف.

كتبت ذات مرة تجربةً ما في غضون وقت قصير، وتم بثها في ذات اللحظة، لم أكن حينها طامحةً إلا لتوثيق معاناتي، بهواجس مربكة مضت عبر الروح قبل الجسد، كمن يكتب لينجو، لا ليُعجَب به.

في أوقات التعب والجهد والفقد، يتحرر اللاشعور بشكل أصدق وأعمق، أحياناً مما يسمح بالتقاط مشاعر مختلطة وسط الوجع والمعاناة، كأن الوجع يفتح نافذة لا تُفتح في أوقات الراحة.

والبعض منا يعيش هذا الإحساس دون القدرة على تجسيده وتجاوزه، وأنا من يدمي قلبي الإساءة والتجاوز من البعض، ويبكيني الإنسان العاجز الذي لا يدافع عن حقه الأدبي، وأبكي أكثر حين أتذكر أمي فاطمة، الحياة، والتي لم تعش الحياة كما يجب، ولم تنل حقها ممن أساء لها، رغم أنني تمكنت من قمعهم بطريقتي، وتمكنت من احتواء أمي بما تستحقه مني، احتواء ابنةٍ تعرف قدر أمها.

لكل كاتب نصوص ذات نكهة مميزة، والتي لا تتجاوز ثقلها الحد المسموح للكتابة، كأن لكل قلمٍ بصمته التي لا تشبه قلماً آخر، ولكل حرفٍ انعتاقه الخاص.

وكم أقف أمام هكذا مواقف بهذه الصلابة والصدق والصبر! ولكن حينما أكتب نصاً بذات الذهول والدهشة، يكون مبللاً بالعطر، وبيدي كوبٌ من القهوة، كأن القهوة أنيسُ وحشتي وشاهدتي الوحيدة على صدق البوح.

قد يتفق البعض معي، بأن هناك أشخاصاً لا تحترم مشاعر وأوجاع وخصوصيات الغير، حيث تترك الذهول والدهشة في البعض منا، حين تباغتنا وتداهمنا بتجاوزها وفضولها الغير مألوف نوعاً ما، لهذه الفئة من الأشخاص أبث نصي هذا مع التحية والتقدير، فحين أردت كتابته لم أتردد، ولعل هذا النص قد يستوقف البعض، ولا أخفيكم سراً، حيث له نكهة خاصة بخجول البوح وإنساني النبض، هامسةً للبعض ولمن يتابع كتاباتي، حيث لا يسعني إلا أن أكتب ما يليق بكم، وما يليق بصدقكم.

أدرك أن هذا النقد دون حقد أو كراهية، وأدرك أن تلك العزيزة لا تجامل ولا تصمت، دون أن أقصد بأنه ليس لديها احترام للخصوصية الفردية، وأدرك تماماً حتى أنال حب واحترام الآخرين.

لعلني أحياناً عرضة للنقد، وأيّاً كان نوع النقد لا يعيق طموحي الأدبي، ولعله يمكنني من رؤية الأمور من زاوية أخرى، زاوية لم أكن أراها وحدي.

وهنا أدرك أن الكسوف والخسوف للشمس والقمر فقط، أما بقية النجوم فلم تنل هذا الشرف، وأظن أن البعض قد يدرك ما قصدته هنا، فالمغزى واضح كما الشمس والقمر، واضح لمن يعرف أن يقرأ ما بين السطور، لمن يتقن التأمل لا التسرع.

منذ فترة، كنت في حديث وحوار جريء مع شخصية عزيزة، بشأن جرأة ونوعية كتاباتي الأدبية، هذا ما كانت تشير إليه تلك الشخصية!

ولقد استشفيت من الحوار عن فيض دهشتها الغير مبرر منها، رغم أنه يحمل غاية خفية متقنة النقد والرصد، دون وجه حق منها، وهنا استفسار يطرح مشاكسته!

كيف يمكننا الارتقاء بالذائقة والموهبة الأدبية؟!

ولكن هذا هو عذرنا وقدرنا، مواجهة مواقف طارئة وعابرة لا تحصى، وتجاوز صاخب لا ينبغي ذلك، وهذا هو الحال في زمن التجاوز السافر، زمنٍ صار فيه الفضول يُلبس ثوب النقد، وصار الابتذال فيه سيد المشهد.

من ذا الذي يتحرر من هكذا سلوكيات ويحوز نعمة الاعتذار من بعض الانتهاكات الشخصية!

فما كان مني إلا أن قلت لتلك الشخصية العزيزة بأدب رفيع يليق بي:

ما هذه الألفاظ الجزيلة التي لا أعرف كيف أشكرك عليها، حيث أعني ما أقول!

وعذري بأني لا أمارس التبرير لأي شيء يخصني، فكيف بالكتابة!

عادةً أنا أكتب عن حالة أو موقف له علاقة شخصية بالزمان والمكان وبالواقع الإنساني، دون تسلق أو تملق، حيث ألمح قلمي لحظة الكتابة يقتنص الأشخاص والمواقف ويمضي بعيداً دون دراية مني، كأنه في ارتحالٍ دائم، يعرف طريقه أكثر مني.

همسة حانية لمن يهمه الأمر:

من حقك أن تنتقد، ومن حقي الرد، وأنا المعروفة بسعة الصدر والصبر، آملةً أن أبقى على هذا التوازن في زمن لا يشجع على ذلك.

ولكن لماذا هذا الإلحاح بهذا الإجحاف الجائر، وما الضير لأن أكتب شيئاً يتعلق بتجربتي الشخصية المؤلمة، ولكن عليّ أن أقول صادقة: إنك شخصية رائعة ومبدعة وعلى نحو استثناء بالنقد.

أيتها العزيزة، كل الشكر والامتنان لك، ومع فنجان قهوة سمراء، باعتبار أن القهوة مع قليل من الحليب لأنصار السهر أمثالي، لأن السهر عندي ليس عادة، بل رفقة حرف لا ينام، بل سهر جميل لا أعرف الخلاص منه.

ولا عزاء للناقدين.