الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كامل الخطي.. ليش زعلان…؟

صُبرةالثلاثاء 28 ديسمبر 2021، 2:16 م
كامل الخطي.. ليش زعلان…؟

حبيب محمود

السؤال هزل، والمغزى جد؛ وهو أوسع من محاولة استثارة باحث في شأن الإسلام السياسي الشيعي؛ نشر مقالاً ـ ناصحاً ـ ممتعضاً من زيارة معمّم عراقيّ بعض رفقاء أمسه في محافظة القطيف السعودية.

إنني أشير إلى المقال المنشورـ أمس ـ في الزميلة “عكاظ” تحت عنوان “الإسلام الحركي الشيعي يطل على القطيف مرة أخرى”..!!

فمن شأن عنوان قائمٍ على هذه الفكرة؛ أن يحرّك موجتين متصادمتين: موجة تأييد للكاتب، وأخرى مناوئة. تلك طبيعة الأمور، ولا جديد..! وبالطبع؛ لا قيمة لحياد أمام ما طرحه الصديق كامل الخطي في مقاله…!

الخطّي ينتمي ـ أصلاً ـ إلى جذور مدرسة دينية مسالمة، حتى وإن بدا خارجاً عن سياق المدرسة نفسها. ولئن انشغل والده الشيخ عبدالحميد الخطي، رحمه الله، بالشأن العام؛ بعد أزمة عام 1400؛ ميّالاً إلى التهدئة والتواصل الحكوميّ للمساعدة في حلحلة القضايا الشائكة؛ فقد كان جدّه لأبيه ـ الشيخ علي أبو حسن الخنيزي، رحمه الله ـ على أُهبة انفتاح في الأفق الإسلامي، وعلى قدرٍ من الحداثة في التفكير الديني.

وبالطبع؛ فإن كامل الخطي؛ لم يرث عن أبيه ولا عن جدّه جبّة ولا عمامة، إلا أنّه يتبنّى ما قاله والده لمجلة “اليمامة” في أحد أعداد عام 1986م؛ ما معناه إن كوننا وإيران من الشيعة؛ فإن ذلك لا يعني وجود تبعية في سياسة، فنحن مواطنون سعوديون في الأصل، وهذا هو أساس تعاملنا..

إنني أذكر المعنى، لا النص الحرفي.

وهذا ما يُعيد كامل الخطي تأكيده على نحو غير مباشر في طروحاته منذ سنوات، وهو الباحث المتابع لشأن الحركات الشيعية، وقبلها حركات اليسار التي كان بين ظهرانيها في مرحلة من حياته.

المسألة الشيعية غير المسألة السياسية، ومسألة المواطنة غير مسألة المذهب. ورسالته التي بثها في ضميمة مقالة صحيفة “عكاظ” أمس؛ تضرب على هذين الوترين بحدّة، وبصدق أيضاً.

نحن في مرحلة وطنية مهمّة وحيوية للغاية، مرحلة المضيّ إلى الواقع المدني الذي تذوب معه حواجز الدكاكين المذهبية، لتكون المواطَنة هي أساس المعاملة. وما أُنجز ـ حتى الآن ـ ليس قليلاً ولا سهلاً، وما علينا إنجازه ـ نحن المواطنين ـ ليس قليلاً ولا صعباً.

منابع التطرف جُفّفت. أعلام التشدّد والتعنّت اختفت. خطاب الكراهية انتهى. الأفكار السوداء صمتت تماماً. فهل من المنطقي أن نتهاون بكلّ هذه المكتسبات؛ ونفرّط في جنب مُنجَزنا الوطني، استجابة لدعوةٍ عارضة لا ضرورة لها، بل لا وجاهة فيها..؟

نحن مواطنون سعوديون أولاً وأخيراً؛ ولسنا في غفلةٍ عن حساسيات الدولة، ولا تحفظاتها على الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعيّ. ومن الجانب الشيعيّ؛ نفهم ـ ومن لا يفهم فهذه مشكلة في إدراكه ـ أن تيارين شيعيين مصنّفان في قائمة المناوئين، بل ما هو أشدّ من المناوئة..!

خط الإمام

التيار الأول هو المعروف بـ “خط الإمام”؛ المتماهي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وأطرافه متنوعة في غير بلدٍ من الشرق الأوسط. وليس علينا أن نفكّر كثيراً في الأزمة الراهنة بين وطننا وبين إيران. ولا يجوز لنا أن “نمزح” في تشخيص الأزمة المتفاقمة في اليمن ولبنان والعراق، فنحن ـ في النهاية ـ مواطنون سعوديون، وما علينا التزامه؛ هو ألّا نسمح بأن نكون بيادق في ملعب يُحرّكه أحدٌ من خارج وطننا.

كوننا وإيران من الطائفة ذاتها؛ لا يسمح بأي وجاهة لأي تبعية سياسية. وليس من الحصافة ـ ولا الوطنية ـ أن نقع في الفخّ نفسه ثلاث مرات. ويكفي وقوعنا مرّتين..!

إيران كيانٌ سياسيّ، يقول ويفعل للسياسة. يتحرك ويتوقف للسياسة. يجنّد ويجمّد للسياسة. وهذا ما يفعله الساسة. أما الانتماء المذهبيّ؛ فهو ممارسة تعبُّدية يُمكن استخدامها ـ أو استبعادها ـ تبعاً لضرورة العمل السياسي. وإلا فما الذي يؤزّم علاقة إيران ذات الغالبية الشيعية بآذربيجان ذات الأغلبية الشيعية..؟ في الوقت الذي تشهد علاقة إيران بأرمينيا وضعاً أفضل، وهي ذات الأقلية الشيعية..؟

وما الذي يقوّي علاقة ظهران بمنظمات شيعية في العراق وإيران، على حساب منظمات شيعية أخرى في البلدين..؟

إنها السياسة.. يا قاتل الله السياسة..!

التيار الشيرازي

وهو التيار الثاني الذي تتحسّس منه حكومة وطننا، وتتحفظ على نشاطه، حتى وهو خامل. وهذا التيار ليس على وئام مع الجمهورية منذ عقود طويلة. وليس على مودّة مع حكومات دول الخليج أيضاً. وليس على مودّة، كذلك، مع مدارس الفقه “الهادئة” في حواضر الشيعة..!

وتنظيمياً؛ لا يبدو أن هناك مؤسسات فاعلة في المنطقة الخليجية ـ سياسياً ـ كما كانت في ثمانينيات القرن الماضي. وبعد وفاة المرجع السيد محمد الشيرازي، رحمه الله، تشتّت الحركيون تقريباً، ثم أعادوا ترتيب بعض صفوفهم بعد سقوط النظام العراقي السابق في 2003؛ وكرّسوا أعمالهم في وطن قياداتهم..!

ولنلاحظ التعبير الدقيق “وطن قياداتهم”؛ فالتيار الشيرازي؛ وُلد وترعرع في العراق؛ قبل أن يُهاجر مضغوطاً بقمع نظام البعث. وهذا يعني ـ بدقة شديدة ـ أننا ـ نحن السعوديين الشيعة ـ ليس لنا شيءٌ، لا في العير ولا في النفير. بل غُرّر ببعضنا؛ في ظروفٍ حساسة؛ فحدث ما حدث بعد عام 1979م.

وبعد عام 1993؛ تصالحنا مع وطننا وعدنا إلى ظله، وكانت مباركة الملك فهد، رحمه الله، لعودة المواطنين فاتحة خير علينا جميعاً.

تجاذبات الخارج

وهذا يعني أننا ـ نحن السعوديين ـ مستهدفون لنكون وعاءً لصراعات ليس لأرضنا ولا لأهلنا فيها أي نصيب. خطّ الإمام والتيار الشيرازاي يتخاصمان؛ ونحن نتخاصم ـ في وطننا ـ على أساس تخاصم الطرفين..؟ وحين يتصالحان؛ سوف نتصالح…!

إيران للإيرانيين، والعراق للعراقيين، والسعودية لنا نحن السعوديين، مواطنين، سنة وشيعة، وما علينا فهمه وإدراكه والانتباه إليه؛ هو أن كلّ التجارب التي خضناها تحت خديعة الإسلام السياسي ـ السني والشيعي ـ لم تُساعد على زرع بصلة في أرضنا، ولم تسقِ نخلة ظمآنة، ولم تبنِ بيتاً لفقير، ولم تعلّم طفلاً في مدرسة، ولم تقدّم حتى حبة “بناول” لمريض..!

نصيحة كامل الخطي حادّة، ولكنّها صادقة جداً، وكثيرٌ من الناس لا يحبون الناصحين.. لكنّ كثيراً منهم، أيضاً، يُدركون أن المواطنة هي عصمتنا جميعاً، بعد الله.