الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولاً 10 | تفصيل الصلاة

صُبرةالجمعة 10 يوليو 2026، 12:32 م
القرآن أولاً 10 | تفصيل الصلاة

الشيخ علي الفرج

في سياق التأصيل النظري الذي أرسيناه في كتاب «مرجعية القرآن»، أفردنا مبحثاً مستقلاً، شائكاً وهو مثيرٌ جدًا، بعنوان «رحلة فك وشبهة الصلاة في القرآن». في ذلك المبحث، الذي امتدّ على مدى واسع قارب الأربعين صفحة، تناولنا بالبحث واحدةً من أعوص الإشكاليات المعرفية التي تواجه القائلين بمرجعية القرآن، ومؤداها: أن الآيات لم تبين طقس الصلاة بعباراته التفصيلية، مع كونها عمدة الفرائض العملية في الشريعة وقوامها.

لقد استحال هذا الإشكال عبر العصور من أقوى مرتكزات القول عند العلماء التراثيين بعدم كفاية القرآن في بيان تفاصيل أحكام الصلاة، وضرورة الرجوع إلى السنة والروايات، بل إن من كبار الفقهاء والمحققين من هالتهم عظمة هذا الإشكال، فلم يقدموا حياله معالجة شمولية تنقذه من المأزق.

وفي مقام الصراع بين المرجعيتين ترجيحاً للكتاب الخالد كمحور أساسي في الفقه والعقائد وغيرهما، طرحنا ثلاثة أوجه للجواب، لا تعدو كونها محاولات علمية جادة، مشرعة الأبواب على مصاريعها للنقد والإبرام، وبحثنا هناك بحثاً جاداً، والبحث الحقيقي لا يعرف الجمود والوقوف، ولا ينبغي أن يبقى رهين المألوف متى ما انفتح باب التحقيق.

وبعد التأمل في معطيات ذلك البحث، وتحليل مسألة الصلاة وتفصيلها في ضوء الأدلة الثلاثة المتقدمة في كتاب (مرجعية القرآن)، ظهر لنا أن ثمة احتمالات عقلائية لم نتعرَّض لها هناك، وهي احتمالات جديرة بالبحث والدراسة، نعرضها تباعاً، فنقول مبدئياً:

إذا أردنا الوقوف على الواجبات الأصلية في الصلاة، فإنها لا تخرج ـ بحسب مقام التصوير ـ عن ثلاثة أنحاء محتملة:

الأول: أن تكون حدودها الواجبة مذكورة في متن القرآن نفسه.

الثاني: أن تكون تفاصيل الصلاة وخصوصياتها غير مذكورة في القرآن، فتستبطن في القرآن أنها غير ملزمة شرعاً، بل داخلة في دائرة الاختيار في تفاصيل الصلاة.

الثالث: أن تفاصيلها لم تُذكر في القرآن، فيُلزمك العقل باللجوء إلى السنة، التي بدورها، يتعين أن تُحدد لك الروايات، وهذا الاحتمال هو مسلك الروائيين ونحن نرفضه، للأدلة التي أسلفنا ذكرها وتفصيلها في كتابنا.

وأما الاحتمال الثاني، فمع كونه ممكناً في نفسه، ولا مانع عقلي أو عقلائي من أن يتحقق، إلا أنه ليس تادّاً أمام نتائج التحقيق؛ إذ تبين لنا أن القرآن قد استوعب بيان الصلاة وتفاصيلها الواجبة وجداناً فيما سيأتي، فيتعين حينئذ الاحتمال الأول، وهو ما نتولى البرهنة عليه في هذا البحث.

تأسيس الصلاة في القرآن

وقد بينا في الكتاب أن ظاهر الآيات الكريمة يشهد بأن القرآن قد استوعب بيان الأحكام الإلزامية التي يتوقف عليها امتثال المكلَّف، من جميع الواجبات والمحرمات، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، وقوله سبحانه: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: 111]. فإن مقتضى هذا الظهور أن القرآن لم يغادر حكماً إلزامياً مما تعمّ به البلوى إلا وقد كشف عنه، تصريحاً أو إلماحاً.

ولا يعقل أن يكلّف الله عباده بفريضة يومية كالصلاة، هي عماد الدين وقوام العبادة، ثم لا يبين أصل حدودها في كتاب وصفه بأنه تبيان لكل شيء. أفيمكن أن يُتصوَّر ـ وحاشا القرآن من ذلك ـ أنه أغفل بيان كيفية الصلاة، وهي عمود الدين بحسب الروايات، أم أن ذلك يكشف عن أن الواجب منها قد استوفى بيانه؟!

والبرهنة على استخلاص معالم الصلاة مفصلة في القرآن من آيات صلاة السفر والخوف: ﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَلَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن یَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱلۡكَـٰفِرِینَ كَانُوا۟ لَكُمۡ عَدُوࣰّا مُّبِینࣰا * وَإِذَا كُنتَ فِیهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَاۤئفَةࣱ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوۤا۟ أَسۡلِحَتَهُمۡ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلۡیَكُونُوا۟ مِن وَرَۤائكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَاۤئفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ یُصَلُّوا۟ فَلۡیُصَلُّوا۟ مَعَكَ … إلخ﴾ [النساء: ١٠١ – ١٠٢]. وهذه الآيات من أبدع الآيات القرآنية في دقة بيانها وسعة دلالتها، حتى إنها تفتح آفاقاً واسعة لاستنباط الأحكام، بما يربو ـ في نظرنا ـ على مائة حكم فقهي. ومن هنا نقول:

يمكن أن يُستفاد منها، بناءً على هذا الوجه، أن أصل الفريضة التي دلّ عليها القرآن هي الصلاة الثنائية، وأن ما زيد عليها كان بإجازة النبي صلى الله عليه وآله وبإذن من الله.

ويؤيد ما ذكرناه علماء التاريخ، ومثاله ما نقله البلاذري في أنساب الأشراف (ج1، ص117) عن الواقدي: أن الصلاة كانت أول الأمر ركعتين ركعتين، ثم زيدت في الحضر بعد الهجرة، وبقيت صلاة المسافر على أصل الفريضة.

كما تؤيده الروايات المعتبرة، مما رواه زرارة في المعتبر عن الإمام الباقر (عليه السلام): «فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين، عشر ركعات، فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركعتين ركعتين في الحضر، وأُقرت الصلاة في السفر على الفريضة الأولى». (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج5، ص485، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح1).

وبناءً على ذلك، يكون المستفاد أن الفرض القرآني هو الثنائية، أي ركعتين ركعتين، فقد ذُكِرَ في القرآن، وأن الزيادات في الصلوات إنما ثبتت بالسنة النبوية المأذون بها من قبل الله.

فلا تكون هذه الزيادة معارضة لمرجعية القرآن؛ لأن الركعتين فرض وقد ذُكِرَ في القرآن، والزيادة من النبي – بحسب قراءتي – فإن مقتضى الاحتياط لزوماً هو امتثالها والإتيان بها.

وإن لم يبعد ـ بحسب هذا التصوير نظرياً ـ احتمال كونها في أصل تشريعها من قبيل المستحب المؤكد، إلا أن الاحتياط في مقام العمل لا يقتضي تركها بحال.. وبذلك يثبت أن القرآن قد تكفّل ببيان هيئة الصلاة وحدود فريضتها أي ركعتين ركعتين، وأما الزيادة فلم يتعرض لها تصريحاً، وإن كان قد ألمح إليها في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، مما يفتح باب التأمل في أن الزيادة إنما ثبتت بدليل مأذون به من قبل الشارع.