الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولًا 12 | الهلال الشرعي بين المرجعيتين

صُبرةالجمعة 24 يوليو 2026، 2:40 م
القرآن أولًا 12 | الهلال الشرعي بين المرجعيتين

الشيخ علي الفرج

احتلت مسألة ثبوت الهلال مكانة بارزة بين المسائل التي طال فيها البحث بين الفقهاء في الآونة الأخيرة، وتشعّبت فيها الأنظار تبعًا لاختلاف المبنى في النصوص الشرعية. ويمكن تلخيص الاتجاهات الرئيسة في ثلاثة مسالك:

– الأول يحصر ثبوت الهلال بالرؤية البصرية المتعارفة بالعين المجردة.

– والثاني يُلحق بها الرؤية بواسطة الوسائل البصرية الحديثة من مراصد ومناظير وتلسكوبات.

– والثالث يجعل المدار على تحقق ولادة الهلال فلكيًا إذا أفادت العلم أو الاطمئنان بدخول الشهر.

وقد انصبّ معظم البحث الفقهي على الروايات بالتحديد، وفي طليعتها الحديث المشهور: «صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية» أو «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فتوجّه النقاش إلى تحديد المراد من الرؤية: هل هي خصوص الرؤية المتعارفة؟ أم تعمّ الرؤية بواسطة الآلات؟ أم أنّ الرؤية ليست إلا طريقًا لإحراز تحقق الهلال، وليست مأخوذة في موضوع الحكم الشرعي؟

غير أنّ منهج (مرجعية القرآن) يقتضي أن يبدأ البحث من النص القرآني؛ لأن القرآن هو الأصل الذي تُبنى عليه القواعد الكلية والجزئية أيضًا، ثم تُعرض عليه الروايات لتحديد مدى انطباقها مع دلالته، فلا يجعل ظاهر الخبر مقيدًا لإطلاق القرآن أو منشئًا لقيد لم يتضمنه النص الإلهي.

تأسيس القاعدة القرآنية

عند استقراء الآيات الواردة في القمر والأهلة يظهر أنها تؤسس منظومة متكاملة، تبدأ ببيان النظام التكويني، ثم تنتقل إلى بيان الوظيفة التشريعية.

فمن آيات النظام التكويني الدقيق:

١- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس: 5).

٢- ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (يس: 39).

٣- ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5).

٤- ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ… وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (الإسراء: 12).

فدلالة هذه الآيات مجتمعة أن القمر يسير وفق نظام كوني دقيق ومحكم بشكل عام، تكوينًا واجتماعيًا، وجعله الله ميزانًا لحساب الزمن، وتحديد المواقيت، ومعرفة عدد السنين.

ثم جاءت الآية الجامعة التي نقلت الأمر من بيان النظام العام إلى بيان الوظيفة التشريعية الخاصة، وهي قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (البقرة: 189).

وهذه الآية تمثل الركيزة القرآنية في هذا الباب؛ لأن السؤال كان عن الأهلة نفسها، فجاء الجواب ببيان وظيفتها التشريعية، فقال تعالى: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، أي إن الله جعل الأهلة مبدأً لتحديد الأزمنة الشرعية، ثم خص الحج بالذكر بقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾؛ تنبيهًا إلى أنه من أبرز مصاديق تلك المواقيت، وأعظم الشعائر التعبدية المرتبطة بها.

ولم تتعرض الآية لبيان كيفية إثبات الهلال، ولا لطريقة العلم بدخوله، بل أطلقت الحكم من غير تقييد بوسيلة معينة، فكل طريق يوجب إحراز تحقق الهلال يندرج تحت إطلاق الآية، ما لم يرد في القرآن نفسه ما يقتضي تقييد هذا الإطلاق، ولم نر آية آخر غير هذه الآية.

وجوه الاستدلال

ومن بين هذه الاتجاهات الثلاثة، نرجّح الاتجاه الثالث، القائل بأن المدار في ثبوت الشهر هو تحقق ولادة الهلال وتكونه ونشوئه، إذا أوجبت العلم أو الاطمئنان، حتى وإن لم يره الإنسان، ونستند في ذلك إلى وجهين، يعضد بعضها بعضًا:

الأول: إن الآية جعلت الهلال نفسه موضوعًا للحكم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ..)، ولم تقيد طريقة ثبوت الهلال أو وسيلة معينة، فلم تنص على الرؤية المجردة أو المسلحة، ولا حصرت إثباته في طريق خاص. فالأصح هو الأخذ بأدق وسائل الإحراز التي وفرتها الأجهزة والحسابات الفلكية، وهي ولادة الهلال، أي تحققه وتكوّنه عقب المحاق.

ودعوى القول بأن النبي (ص) قيّد ثبوت الهلال بالرؤية المتعارفة استنادًا إلى الروايات، وقد حدد العلماء على أصل أصولي ومرتكز عندهم، وهو (جواز تقييد إطلاق القرآن أو تخصيص عموماته بالأخبار).

لكن مسلك مرجعية القرآن لا يسلم بهذه القاعدة الأصولية، سواء أكانت الأخبار آحادًا أم متواترة بحسب قول العلماء؛ لأن القرآن هو المرجع الحاكم، والروايات تعرض عليه، فما وافقه أُخذ به، وما خالفه رُدَّ، فلا تكون حاكمة على إطلاقاته، ولا مخصصة لعموماته، وإنما هي محكومة له.

إذن، فدعوى أن الروايات قد بيّنت كيفية إثبات الهلال لا تعني أنها قيّدت إطلاق القرآن؛ إذ إن الروايات ـ على هذا الفرض ـ إنما تتكفّل ببيان المصداق المتعارف لإحراز الهلال في عصر النبي (ص)، وهو الرؤية المجردة، باعتبارها الوسيلة المتيسرة آنذاك، لا أنها بصدد حصر طرق الإثبات بها أو تقييد إطلاق الآية.

الثاني: أن دخول الشهر ظاهرة تكوينية تبدأ بانتهاء المحاق وولادة الهلال، وهي حقيقة خارجية لا تتوقف على رؤية الإنسان، سواء رآها بعينه المجردة أم المسلحة، فالرؤية لا تُوجِد الهلال، وإنما تكشف عن وجوده، والرؤية طريقية لا موضوعية، وإذا ثبتت ولادته وتكونه بطريقة التقنية الحديثة، كان ذلك أقرب إلى إصابة الواقع من الرؤية البصرية التي قد يعتريها الخطأ بسبب اختلاف الظروف الجوية، أو محدودية البصر، أو الوهم في التشخيص أو غيرها.

فإذن تكون الرؤية المذكورة في الروايات طريقًا لإحراز الموضوع في ذلك العصر، لا أنها بنفسها جزء من موضوع الحكم، وحيثما وجد طريق أوثق في الكشف عن تحقق الهلال كان أولى بالاعتماد؛ لأن المدار هو إصابة الواقع الذي رتّب الشارع عليه الأحكام.

النتيجة

والمتحصل من ذلك أن القرآن ربط الأحكام بموضوعات تكوينية ثابتة، ولم يربطها بالأدوات والوسائل التي تختلف باختلاف الأزمنة. فالهلال هو موضوع الحكم، وأما وسائل إحراز وجوده فقد تُركت مفتوحة لتتطور بتطور المعرفة الإنسانية، ما دامت تؤدي إلى العلم أو الاطمئنان بتحقق الموضوع.

وهنا تتجلّى عالمية القرآن وخلوده؛ إذ لم يبنِ أحكام الشريعة على الوسائل المتاحة في عصر النزول، وإنما على حقائق ثابتة تستوعب تطور وسائل المعرفة، وترك وسائل إحراز موضوعاتها مفتوحة لكل ما يحققه العلم من أدوات مشروعة. ومن ثم بقي خطابه صالحًا لكل زمان ومكان، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (ص: 87)، وقال سبحانه: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: 19). فكل من بلغه القرآن دخل في دائرة هدايته وتكليفه، مهما تعاقبت العصور، وتطورت وسائل الإنسان في معرفة سنن الله في الكون وإدراك حقائق الأشياء.