«اسبق الغرق بخطوة».. القطيف تحسّن سجلها في السلامة المائية

القطيف: زينب آل محسن
في الوقت الذي جدّد فيه حرس الحدود، اليوم، رسائله التوعوية بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الغرق تحت شعار «اسبق الغرق بخطوة»، تقدم القطيف نموذجاً محلياً لافتاً في تطور ثقافة السلامة المائية، بعد سنوات شهدت تراجعاً ملحوظاً في حوادث الغرق، حتى أصبح سجل المحافظة أكثر نظافة، سواء في البحر أو في برك السباحة الخاصة بالاستراحات.
ويأتي هذا التحسن نتيجة تراكم جهود التوعية، وارتفاع وعي الأسر، وتطور خدمات الإنقاذ، إلى جانب الالتزام المتزايد بإرشادات السلامة في الشواطئ والمسطحات المائية.
وأكد مدير عام حرس الحدود، اللواء الركن شايع بن سالم الودعاني، أن حماية الأرواح مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمؤسسات التعليمية، وتتواصل مع الجهات الحكومية والتطوعية، مشيراً إلى أهمية نشر ثقافة السلامة البحرية، وتعليم مهارات السباحة والإنقاذ، والالتزام بالتعليمات في الشواطئ والمسطحات المائية.
وأوضح أن حرس الحدود يواصل أعماله عبر منظومة متكاملة تشمل الجاهزية الميدانية، وعمليات البحث والإنقاذ، والرقابة البحرية، وتنفيذ البرامج التوعوية، بالتعاون مع اللجنة المشتركة الدائمة للوقاية من الغرق التابعة لهيئة الصحة العامة، وعدد من الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي.
ذاكرة صنعت الوعي
لم تصل القطيف إلى هذا الواقع من فراغ؛ فالمحافظة عرفت عبر تاريخها حوادث بحرية تركت أثراً عميقاً في الذاكرة المحلية، وأسهمت في ترسيخ ثقافة أكثر وعياً بالتعامل مع البحر.
ويستحضر الأهالي حتى اليوم اسم «أبو امغوّي»، وهو موقع بحري قديم بين ساحل القطيف وجزيرة تاروت، ارتبط قبل إنشاء الجسور بعبور المشاة وقت الجزر، قبل أن يتحول إلى رمز شعبي يحث على الحذر من تقلبات البحر.

ومع تطور وسائل النقل والاتصال والإنقاذ، تغيرت طبيعة المخاطر، إلا أن بعض الحوادث بقيت حاضرة في الذاكرة، ومن بينها وفاة المعلم هاني آل حمران عام 2015 أثناء محاولته إنقاذ طفلين قرب كورنيش المشاري، ووفاة الصياد موعود الحبيب عام 2017 خلال رحلة صيد بالشباك، ثم حادثة الغواص علي آل يعقوب عام 2022، إضافة إلى وفاة الحاج زهير العقيلي بعد رحلة صيد انتهت بعملية بحث استمرت نحو 14 ساعة.
كما لا تزال حادثة الشبان الستة الذين سقطت مركبتهم في مياه الخليج قرب مخطط دانة الرامس عام 2017 واحدة من أكثر الحوادث حضوراً في الذاكرة المجتمعية، إلى جانب قصة اختفاء الصيادين حسن جبران وحسن الحبيب قبل نحو سبعة عشر عاماً، والتي بقيت من أكثر القصص غموضاً في تاريخ الساحل.

الحاج زهير العقيلي
من الحوادث إلى الوقاية
هذه الحوادث لم تتحول إلى مجرد ذكريات، بل أصبحت محطات دفعت نحو مزيد من الوعي والالتزام بإجراءات السلامة، وأسهمت في تطوير الاستجابة الميدانية، ورفع مستوى المشاركة التطوعية، وتعزيز حضور فرق الإنقاذ والتوعية في الشواطئ.
ولم يقتصر هذا التحول على البحر؛ إذ شهدت المحافظة أيضاً انحساراً واضحاً في حوادث غرق الأطفال داخل برك السباحة في الاستراحات، بعد أن كانت تشكل مصدر قلق متكرراً، وهو ما يعكس تطوراً في اشتراطات السلامة، وحرص الأسر على المراقبة المباشرة للأطفال، وتأمين المسابح الخاصة.
خطوات بسيطة… ونتائج كبيرة
ويؤكد حرس الحدود أن المحافظة على هذا السجل الإيجابي تبدأ بالالتزام بإجراءات بسيطة، في مقدمتها السباحة في المواقع المخصصة والخاضعة للرقابة، والالتزام باللوحات والإشارات التحذيرية، وتجنب السباحة ليلاً أو في الأوقات التي يمنع فيها دخول البحر.
كما شدد على عدم ترك الأطفال بمفردهم بالقرب من المياه، وإبقائهم ضمن مسافة تسمح بسرعة الوصول إليهم، مع استخدام سترات النجاة والعوامات المناسبة، وعدم الانشغال عن مراقبتهم بالأجهزة الذكية.
نجاح يستحق الاستمرار
وتثبت تجربة القطيف أن الوقاية ليست حملة موسمية، بل ثقافة مجتمعية تتراكم مع الوقت. فالمحافظة التي عرفت في مراحل مختلفة حوادث بحرية مؤلمة، تقدم اليوم مؤشرات إيجابية على نجاح الوعي والتكامل بين الأسرة والجهات المختصة والمتطوعين.
وتبقى رسالة «اسبق الغرق بخطوة» دعوة للمحافظة على هذا المنجز، حتى يظل البحر مساحة للحياة والترفيه، وتبقى حوادث الماضي دروساً أسهمت في صناعة حاضر أكثر أمناً.




