مرض G6PD .. على مسافة 25 كيلو من القطيف قبل 2400 سنة

القطيف: صُبرة
عندما شرع فريق دولي من علماء الوراثة والآثار في دراسة الحمض النووي لأربعة أشخاص عاشوا في البحرين قبل نحو ألفن و400 عام، كان هدفهم إعادة رسم التاريخ السكاني لشرق الجزيرة العربية، والكشف عن أصول سكانها وحركة الهجرات التي مرت بها عبر القرون.
لكن النتائج قادتهم إلى اكتشاف آخر، فتح باباً جديداً لفهم أحد أكثر الاضطرابات الوراثية انتشاراً بين أبناء منطقة الخليج اليوم: مرض جي سكس بي دي (G6PD).
الدراسة، التي نُشرت عام 2024 في مجلة Cell Genomics، أظهرت أن ثلاثة من أصل أربع عينات أثرية حملت طفرة G6PD Mediterranean، وهي الطفرة الأكثر شيوعاً بين المصابين بنقص إنزيم G6PD في شرق الجزيرة العربية. ومن هذا الاكتشاف، انطلق الباحثون إلى فرضية تتجاوز حدود علم الوراثة، وترتبط بتاريخ البيئة والأمراض في المنطقة.

فبحسب الدراسة، ربما جاء انتشار هذه الطفرة نتيجة عملية انتقاء طبيعي استمرت آلاف السنين، في زمن كانت فيه الملاريا من أكثر الأمراض انتشاراً في شرق الجزيرة العربية. إذ تشير أبحاث سابقة إلى أن حاملي بعض طفرات G6PD يملكون قدراً من الحماية ضد الأشكال الشديدة من الملاريا، ما منحهم فرصة أفضل للبقاء ونقل الجين إلى الأجيال اللاحقة، حتى أصبح أكثر شيوعاً مع مرور الزمن.
من البحرين إلى القطيف
قد تبدو هذه النتيجة مرتبطة بالبحرين وحدها، لكن الواقع الجغرافي والتاريخي يرسم صورة مختلفة. فالقطيف والأحساء والبحرين شكلت عبر قرون طويلة نطاقاً بيئياً واحداً، تتشابه فيه الواحات، وعيون المياه، والأراضي الزراعية، والمناخ الرطب، وهي عناصر هيأت ظروفاً مناسبة لتكاثر البعوض الناقل للملاريا.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الملاريا ظلت مرضاً معروفاً في شرق المملكة حتى منتصف القرن العشرين، قبل أن تؤدي برامج المكافحة، وتحسين شبكات المياه والصرف الصحي، والرش بالمبيدات، إلى القضاء عليها تدريجياً.
وبينما اختفى المرض، بقي أثر آخر أكثر هدوءاً؛ إذ استمر انتقال الطفرة الوراثية من الآباء إلى الأبناء، حتى أصبحت عبارة «جي سكس بي دي» جزءاً من الثقافة الصحية في كثير من أسر القطيف، يعرفها الأطفال منذ سنواتهم الأولى، وترافق ملفاتهم الطبية في المدارس والمستشفيات.

الجينات تحفظ ما تنساه الذاكرة
لا تنظر الدراسة إلى الجينات بوصفها وسيلة لتشخيص الأمراض فقط، بل باعتبارها سجلاً يحفظ تاريخ الإنسان أيضاً.
فالحمض النووي يحمل آثار الهجرات القديمة، والتغيرات البيئية، والأوبئة التي واجهتها المجتمعات البشرية. وعندما يتكرر ظهور طفرة وراثية في منطقة معينة، فإن أحد التفسيرات الممكنة يتمثل في أن تلك الطفرة منحت أصحابها ميزة ساعدتهم على البقاء في مواجهة خطر بيئي أو مرض واسع الانتشار.
وهذا ما يعتقد الباحثون أنه حدث مع طفرة G6PD Mediterranean في شرق الجزيرة العربية.

ماذا قالت الدراسة؟
اعتمد الباحثون على تسلسل الجينوم الكامل لأربع هياكل عظمية تعود إلى فترة تايلوس في البحرين، الممتدة تقريباً بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي.
وبعد مقارنة النتائج ببيانات وراثية حديثة من سكان المنطقة، خلصوا إلى أن الطفرة كانت موجودة بالفعل قبل نحو ألفي عام، وأن انتشارها الحالي ينسجم مع نموذج الانتقاء الطبيعي المرتبط بالملاريا.
وفي الوقت نفسه، تعامل الباحثون بحذر مع النتائج، موضحين أن عدد العينات محدود، وأن فهم التاريخ الوراثي للمنطقة يتطلب دراسة مزيد من العينات الأثرية من شرق الجزيرة العربية وبلاد الرافدين والمناطق المجاورة.

أكثر من اضطراب وراثي
يُعد نقص إنزيم G6PD من أكثر الاضطرابات الوراثية انتشاراً في العالم، ويصيب مئات الملايين من الأشخاص بدرجات متفاوتة. ويؤدي نقص الإنزيم إلى زيادة حساسية خلايا الدم الحمراء تجاه بعض الأدوية والأغذية والالتهابات، ما قد يسبب انحلال الدم لدى بعض المصابين.
وفي شرق المملكة، أصبح الاضطراب معروفاً على نطاق واسع باسم «جي سكس بي دي»، وتطورت برامج الفحص المبكر والتوعية الطبية حوله، الأمر الذي أسهم في تقليل مضاعفاته وتحسين جودة حياة المصابين.

قراءة جديدة لتاريخ المنطقة
تكمن أهمية الدراسة في أنها تجمع بين علم الآثار، والوراثة، والطب، والتاريخ البيئي، لتقديم تفسير علمي لأحد الأسئلة التي رافقت سكان شرق الجزيرة العربية طويلاً: لماذا ينتشر جي سكس بي دي في هذه المنطقة؟
الدراسة لا تقدم إجابة نهائية، لكنها تضيف قطعة جديدة إلى هذا اللغز، وتشير إلى أن تاريخ القطيف والأحساء والبحرين ربما لم تُشكله التجارة والزراعة والهجرات وحدها، بل شاركت فيه أيضاً أمراض قديمة تركت آثارها في الجينات بعد أن اختفت من الحياة اليومية.
وبذلك، تتحول الملاريا من فصل منسي في التاريخ الصحي للمنطقة إلى عنصر قد يساعد في تفسير جانب من تاريخها الوراثي، ويمنح الباحثين مساراً جديداً لفهم العلاقة بين البيئة والإنسان عبر آلاف السنين.



