الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عن ودّ الجعفري العوامي

صُبرةالجمعة 31 يوليو 2026، 9:42 م
عن ودّ الجعفري العوامي

حبيب محمود

إنها بدايات الثمانينيات.. العوامية تتحضّر ـ كما كلّ مكان في السعودية ـ لدورة اقتصادية جديدة. وكما كلّ القطيف؛ تتحضر ـ أيضاً ـ لدورة اجتماعية جديدة أيضاً. إنه قلب سنوات الطفرة، في الخطة الخمسية الثانية.. اقتصاداً. وقلب الأحداث التي جاءت بعد 1980؛ وظهور مصطلح جديد بدأ الشباب يتعلمونه، مصطلح “الرسالية”.. أوه؛ نحن نتحدث عن شأن ذي حساسية خاصة، أغلب العارفين بها يطوي عنها كشحاً”..!

“جعفر” شاب لم يدخل العشرين بعد، غير أنه أظهر جديةً منذ ذلك الزمن. كانوا قد انتقلوا عن قريب إلى منزل جديد شيّده والده وعمه في حيّ “لِرْحيل”، جنوب مسورة العوامية. الناس يعرفون العائلتين بـ “بيت الجعفري”. سكنه الأخوان “حجي موسى” و “حجي علي”. نحن ـ أبناء الحي ـ لم نكن نعرف اسم “خزعل”، نعرف بيت “الجعفري”، ونعرف “أم جعفر”، و “مرت حميها”.. “أم عبدالله”، ونعرف أبناءهما..!

و “جعفر” هو الأكبر بين أبناء “حجي علي”.. الصورة قديمة في الذاكرة، وباهتة، باستثناء ما كانت عليه هيئة الشاب الناحل الذي حصل على سيارته الأولى في ذلك الوقت.. كانت “240 إل”، الطراز الذي طار به شباب تلك الفترة. وكنا نعجب من شابٍّ وقور وجاد إذ يمتلك سيارة كهذه..!

كان يكبرنا، ونقاشاتنا العابرة معه، تُحاط باحترام الأكبر سناً. كانت لديه نباهة وثقافة “رسالية”، وليونة في الاحتجاج. لماذا الاحتجاج..؟ حسناً؛ كنا نقلد السيد الخوئي، وهو يقلد السيد الشيرازي.. إذن نحن خوئيون، وهو شيرازي.. في تلك الفترة؛ كنا والشيرازيين خصوماً في مسألة المرجعية..!

إنني أتحدث عن 45 سنة مضت تقريباً، لذلك؛ لا قيمة لهذا التاريخ المطمور، لولا ما يجدر بالاحترام أن يفرضه للرجل الذي ودعناه اليوم في مقبرة العوامية. وأيّ مقبرة كانت مقبرة البلدة، حين لم أجد موقف لسيارتي إلا عند نخل “العقيبي”.. هذا المكان كان خارج القرية في ذلك الزمن. لكن سكان العوامية ملأوا المكان لوداع “جعفر خزعل”، وزميله “لقمان الفرج”.. كلاهما معلم.. وكلاهما قضى نحبه في تبعات حادثين مروريين..!

ولذا؛ بدا زحام المقبرة هائلاً،، صلاة الجنازة فاضت عن المصلى إلى خارجه بكثير..!

لكنني أعرف “جعفر خزعل” أكثر مما أعرف عن زميله.. وأتذكر كيف نشأنا جنوب مسورة العوامية، وصٌقلت حواسنا بالكثير من مودّات سكان الحي، وتقاسمهم الأحزان والأفراح..!

بيت “الجعفري” لم يبقَ على حاله.. أبو جعفر انتقل بعياله إلى “شمال” العوامية، لكن قلوب العائلة بقيت في الحي الذي صار يسمّى كله “فريق كربلا”، وما هو “فريق كربلا”.. “كربلا” هي فقط الساحة الفارغة.. ثم عمّ الاسم مجموعة “فرقان”: لـرْحيل، والجوهيرية، والزواورة، ولـفْتية.. لكن كل ذلك اختفى.. وصارت كلها “كربلاْ”..!

وأولاد “الجعفري” معروفون في هذا الحيّ، وتفاعلهم فيه قديم، أقدم من سنة “القص” الأولى التي شقت طريقاً جديداً قبل 1402هـ..!

صورة “جعفر” هي الألمع بين أخوته الخمسة.. ربما لأنه الأكبر، ربما لأنه من أكثر شبّان البلدة نشاطاً في محافل المجتمع. على كلّ حال؛ حفر “جعفر خزعل” اسمه بين شبّان البلدة، ثم بين معلميها.. ثم بين كهولها..!

في السنوات الصعبة؛ برز ناشطاً من أجل مساعدة الناس، فلم يسلم من بعضهم، لكنه تجاهل ما واجه، وواصل عمله الذي يستطيعه في خدمة المجتمع. الذي يسعَى إلى خدمة الناس؛ لا يبالي بغبار الأذى العابر..

عصر اليوم؛ قال الناس كلمتهم في “جعفر خزعل”، وزميله “لقمان الفرج”.. كلّ هذا الحشد الحاشد.. كل هذه الوجوه.. كل هذه القلوب.. كل هذه الدموع..!

اقرأ أيضاً

يوم عوامي حزين.. تشييع معلمين رحلا في حادثين منفصلين