الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

اقتصاد الاهتمام

صُبرةالسبت 15 أغسطس 2026، 9:00 ص
اقتصاد الاهتمام

سعيد الخباز

مليون ومائة ألف ريال (300 ألف دولار) تقاضتها “كانديس أوينز” من “أندرو ويلسون” مقابل مناظرة لم تتجاوز ثلاث ساعات..

رقم فلكي لا يُدفع لقاء اختراعٍ ينقذ البشرية، أو اكتشافٍ يغيّر وجه التاريخ، بل نظير ساعات معدودة من الكلام وتبادل الحجج وربما الصراخ واستعراض العضلات الخطابية أمام كاميرات البث الحي.

حين يتأمل المرء هذا الرقم، يدرك حجم السطوة التي باتت لـ “اقتصاديات الاهتمام” في عصرنا الرقمي؛ العملة الجديدة للقرن الحادي والعشرين.

فالجدل السياسي، والاستقطاب الفكري، وحتى إثارة الضجيج لمجرد الضجيج، تحوّلت إلى منتجات رابحة تتدفق عليها الأموال من منصات وممولين ومعلنين يبحثون عن المشاهدات و“الترند“ بأي ثمن.

وأمام هذه الأرقام، لا يملك الإنسان إلا أن يتنهد قائلاً: ليتني كنتُ مشهورًا. ليتني امتلكت تلك القاعدة الجماهيرية التي تجعل جهة ما مستعدة لدفع ثمن شقة فارهة أو رأس مال مشروع العمر، فقط لأجلس على مقعد وأتحدث لثلاث ساعات. ويزداد الخيال طرافة حين يداعب الذهن ذلك السيناريو العبثي: مناظرة يومية لمدة ثلاثة أشهر، وبنفس ذلك الأجر أو ما يقاربه!

الحسابات بسيطة: مناظرة كل يوم على مدار تسعين يومًا… عندها لن أخرج بثروة فحسب، بل بصداعٍ مزمن وإرهاقٍ نفسي من كثرة الجدل، لكنني سأملك ما يكفي لشراء جزيرة هادئة أعتزل فيها العالم إلى الأبد، باحثًا عن النقيض تمامًا: الصمت المطلق.

غير أن هذا كله يبقى حلمًا؛ فعالم الشهرة لا يمنح مفاتيحه لمن يشاء، وصناعة محتوى يدرّ هذه الأموال تتطلب — سواء اتفقنا مع أصحابها أو اختلفنا — موهبةً في تصدر المشهد، وقدرةً على تحمل ضجيج الملايين، وسماكة جلد لا يمتلكها الشخص العادي الذي يكتفي بمراقبة الشاشات بحسرة، مرددًا: هنيئًا لمن يناظر بمليون، وحظًا أوفر لمن يناظر هموم عيشه اليوميوفاتورة الكهرباء في هذا الصيف القائظ.