الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

آه متى أتغزل ؟ حين يصبح الغزل حلما مؤجلاً

صُبرةالإثنين 24 أغسطس 2026، 5:52 م
آه متى أتغزل ؟ حين يصبح الغزل حلما مؤجلاً

نزار المصطفى

حين يقرأ القارئ هذه القصيدة لأول مرة قد يظن أنه أمام غزلٍ مؤجل، غير أن السؤال الذي يفتتحها ويختتمها: «آه متى أتغزل؟» ليس سؤال عاشق يبحث عن امرأة، وإنما سؤال شاعر يبحث عن الزمن الذي يصبح فيه الغزل ممكنًا. فالغزل هنا ليس موضوع القصيدة، بل هو الحلم الذي تؤجله الحياة باستمرار، ولذلك يبدأ النص من العجز عن الغناء، وينتهي بالعجز نفسه، ليصبح السؤال إطارًا وجوديًا يطوق التجربة كلها.

إن محمد العلي لا يكتب الأشياء بوصفها أشياء، وإنما يكتب اهتزازها الداخلي. فالغبار لا يستقر على اليابسة، وإنما يستقر على الماء، والشهب ليست سماوية، بل تتحول إلى زبد في كأس، والصباح لا يطلع بل يبقى في حالة ارتداد، والغصون لا تنمو بل تنهمر في الرياح. وكل صورة من هذه الصور تعلن أن العالم فقد استقراره، وأن قوانين الأشياء قد انكسرت. إننا أمام كونٍ يعيش اضطرابًا عميقًا، حتى أصبحت المادة نفسها غير واثقة من طبيعتها.

ولهذا فإن القصيدة منذ أسطرها الأولى تؤسس لما يمكن تسميته فلسفة اللااكتمال. فلا شيء يبلغ نهايته؛ الصباح لم يكتمل، والمواعيد لا تغادر القلب، والأرض لا تستقر على هيئة واحدة، والبحر يقفل أمواجه ثم يهاجر، والمحار يغادر الخليج، وحتى الموت نفسه لم ينضج بعد. إن الزمن كله يبدو في طور التكوين، وكأن الشاعر يعيش داخل عالم لم يولد تمامًا ولم يمت تمامًا.

ومن أجمل المفارقات الفكرية في النص قوله: «لم ينضج الموت فينا ولكننا سوف ننضجه بالحياة». إنها جملة تكاد تختصر رؤية محمد العلي كلها للوجود. فالحياة هنا ليست نقيض الموت، بل هي التي تمنحه اكتماله. وكلما عاش الإنسان بعمق ازداد اقترابه من اكتمال موته. ليست العبارة تشاؤمًا، بل إدراك مأساوي للعلاقة بين الزمن والفناء. فالحياة ليست هروبًا من النهاية، وإنما هي الطريق الذي يصنعها.

ويبلغ النص ذروة رقته حين يخاطب «زرقة طفلة تجهل النطق». فالطفلة ليست شخصية حقيقية بقدر ما هي رمز للبراءة الأولى، تلك البراءة التي ترى العالم قبل أن تتعلم أسماءه. ولذلك اختار الشاعر طفلة لا تعرف الكلام، لأن اللغة نفسها أصبحت عاجزة عن حمل ما يشعر به. إن البراءة أصدق من اللغة، والصمت أبلغ من البلاغة، ولهذا تتحول الطفلة إلى استعارة للحلم الأول الذي لم تلوثه التجارب.

ثم يدخل النخل بوصفه أكثر من شجرة. ففي شعر محمد العلي يصبح النخل هويةً كاملة، وذاكرةً للمكان، وعلامةً على الإنسان الخليجي الذي يواصل الوقوف رغم العواصف. ولذلك يقول: «أتيناك بالنخل، بالشجر المتوهج في القلب». إنه لا يحمل أشجارًا، بل يحمل وطنه كله. فالنخل هنا يسكن القلب قبل الأرض، ويضيء الوجدان قبل أن يثمر.

وعندما يقول: «اضربي نخلة نخلة بالحجارة» فإنه لا يدعو إلى تدمير النخل، وإنما يكشف عن قسوة العالم تجاه كل ما يحمل قيمة. فالنخلة التي كانت رمز الكرامة تتحول إلى هدف للرجم، كما يتحول الجمال دائمًا إلى ضحية. إنها صورة تختزن تاريخًا طويلًا من مقاومة الإنسان لكل ما يحاول سحق جذوره.

ومن أعمق المقاطع قوله: «ذل صقيل هو العشق لكننا قد عشقنا». هنا يعيد تعريف الحب كله. فالعشق ليس انتصارًا، بل انكسار مصقول، هزيمة يختارها الإنسان بإرادته. ولذلك فإن الذل ليس مهانة، وإنما تخلي الإنسان عن صلابته أمام ما يحب. إنه اعتراف بأن الحب لا يمنح القوة بقدر ما يمنح القابلية للجراح.

ولهذا تأتي الجملة التالية امتدادًا طبيعيًا: «وما عرف الساهرون الجراح التي يصنع البحر». فالبحر عند محمد العلي ليس مكانًا للرومانسية، وإنما مصنعٌ للجراح. لأن البحر يعلم الإنسان الانتظار، والفقد، والهجرة، والمسافات، وكلها جراح لا يراها من يقف بعيدًا عن الشاطئ. ولهذا فإن البحر في هذه القصيدة يحمل ذاكرة الخليج كلها، لا مياهه فقط.

وحين يستدعي أبا الطيب المتنبي لا يستحضره بوصفه شاعرًا قديمًا، وإنما بوصفه رمزًا للجراح التي لم تلتئم. فيقول: «قف بي مليًا أبا الطيب، واقرأ الجراح التي قد تركت بها مصر». إنه حوار بين جرحين؛ جرح المتنبي وجرح الشاعر المعاصر. لكن المفارقة أن المتنبي استطاع أن يغمد جرحه بالشعر، أما شاعر العصر الحديث فيعترف بمرارة: «لكن ما عندنا كيف يغمد؟». وهنا يبلغ النص إحدى أكثر لحظاته قسوة؛ فحتى الشعر الذي كان دواءً عند القدماء لم يعد قادرًا على تضميد جراح العصر.

ثم ينتقل إلى الخليج لا بوصفه جغرافيا، بل بوصفه جرحًا حيًا: «هذا الخليج المبرح غادر منه المحار». والمحار هنا ليس مجرد كائن بحري، وإنما رمز للؤلؤ، أي للجمال والثروة والدهشة. فإذا غادر المحار، فقد غادر السر الذي كان يمنح البحر معناه. إنها صورة مكثفة لفقدان البراءة الأولى، ولنزوح الروح من المكان.

وعندما يخاطب فيروز لا يخاطب مطربة، وإنما يخاطب الصوت الذي بقي حين هاجر كل شيء. فالقصيدة تقول: «أقفل البحر أمواجه، ثم هاجر… لكن صوتك أجنحة». إنها لحظة تتحول فيها الموسيقى إلى وطن بديل. فحين تعجز الأرض عن احتضان الإنسان، يصبح الصوت هو المكان الأخير الذي يمكن الإقامة فيه. ولذلك تبدو فيروز هنا رمزًا لقدرة الفن على إنقاذ ما تعجز السياسة والتاريخ عن إنقاذه.

وإذا تأملنا بناء القصيدة وجدناه يشبه حركة الموج. فلا يسير في خط مستقيم، بل يتقدم ويتراجع، يقترب ويبتعد، يستدعي صورًا ثم يتركها قبل اكتمالها، لينتقل إلى صورة أخرى تبدو بعيدة لكنها متصلة بها من الداخل. وهذا البناء ليس تفككًا، بل هو ترجمة فنية لحركة الذاكرة الإنسانية، إذ لا تتذكر الروح بطريقة منطقية، وإنما بطريقة تداعية، حيث تقود صورة إلى أخرى عبر الإحساس لا عبر العقل.

ومن هنا فإن سر خلود هذه القصيدة لا يكمن في جمال عباراتها وحده، وإنما في أنها استطاعت أن تحول التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة. فكل قارئ يجد نفسه داخل هذا السؤال الأخير: متى يصبح الغزل ممكنًا في عالمٍ يغادره البحر، ويهجره المحار، وتتعثر فيه المواعيد، ولا تجد الجراح ما يغمدها؟

لهذا بقيت القصيدة بعد أكثر من نصف قرن تحتفظ بحرارتها الأولى، لأنها لم تكن ابنة ظرف تاريخي، بل ابنة سؤال إنساني لا يشيخ. لقد كتب محمد العلي نصًا يبدو في ظاهره غنائيًا، لكنه في جوهره مرثية للحلم المؤجل، وتأملٌ في الإنسان وهو يحاول أن يصنع من الشعر بيتًا يسكنه بعدما ضاقت به الأمكنة كلها. أما السؤال الذي يفتتح القصيدة ويغلقها، فإنه لا ينتظر جوابًا، لأنه هو نفسه الجواب؛ فما دام الإنسان يشعر بأن الغزل لم يأتِ بعد، فإن قلبه ما زال حيًا، وما دام القلب حيًا، فإن الشعر سيظل قادرًا على أن يهز الأسماع، كما فعل هذا النص منذ عام 1970 وحتى اليوم.

آهْ.. مَتى أَتَغَزَّل؟

الغُبارُ على الماء

غادِرَةٌ هذه الشُّهُبُ الزَّبَدِيَّةُ في الكأس

هذا الصَّباحُ الذي لم يَزَلْ في ارتداد

وتلكَ الغُصونُ التي انهمرتْ في الرِّياح

وما عَثَرَ القلبُ،

ما بارَحَتْهُ المواعيد…

والأرضُ تلكَ البَغِيُّ الجميلةُ تزدادُ وَهَجًا على البُعد

تزداد..

تَنصِبُ بين يَدَيْها المواعيد

تَهجُرُها…

ثمَّ تَبقى تَلوح

يا زَمَنَ العَوْسَجِ المُتَبَرِّج:

«لم يَنضَجِ الموتُ فينا» ولكنَّنا سوفَ نُنضِجُه

بالحياة

هل تَهَجَّيْتَ وَجهي الذي يَسكُنُ المَوج

يا زُرقةً طِفلةً تَجهَلُ النُّطق؟!

إنّا أَتَيْناكَ بالنَّخل

بالشَّجَرِ المُتَوَهِّجِ في القلب

هَيّا.. اجْتَني هذه السُّحُب

أو فاضْرِبي نَخلةً نَخلةً.. بالحِجارة

ذُلٌّ صَقيلٌ هو العِشق

لكنَّنا قد عَشِقْنا

وما عَرَفَ السَّاهِرونَ الجِراحَ التي يَصنَعُ البحر

قِفْ بي مَلِيًّا أبا الطَّيِّب

واقْرَأْ على الجِراحِ التي قد تَرَكْتَ بها مِصر

كانَ الجَوادُ هو اللَّيل

غادَرَ دونَ صَهيل..

وأَغْمَدْتَ جُرحَكَ بالشِّعر

لكنْ ما عِندَنا كيفَ يُغْمَد؟

ما عِندَنا زُرقةٌ طِفلةٌ تَجهَلُ النُّطق

إنّي أُقَبِّلُ عَيْنَيْك

لو جِئْتَ تَمنَحُني بعضَ لُؤلُؤِكَ الرَّطْب

هذا الخليجُ المُبَرِّحُ غادَرَ منه المَحار

إناءَ خُذيني لِصَوتِك

ثمَّ اكْسِريهِ على البحر

فَيْروزُ: قد أَقفَلَ البحرُ أَمواجَه

ثمَّ هاجَر

أَفْرَدَني… ثمَّ هاجَر

لكنَّ صَوتَكِ أَجنِحةٌ للذينَ يَفيضونَ من كلِّ فَجّ

من الرَّملِ والماءِ والنَّخل

من كلِّ مُشْتَجَرٍ للكآبات

من كلِّ ما سوفَ أَذكُرُه حينما أَتَغَزَّل

آهْ…. مَتى أَتَغَزَّل؟