بهيجة

حليمة بن درويش
قد يبدو اسمًا تسمعه لأول مرة، أو على الأقل بالنسبة لي، فلم يسبق أن تعرّفتُ طوال حياتي على امرأة تحمل اسم ” بهيجة ” هناك ابتهاج وبهجة ولكن … بهيجة ! كانت هي الأولى في ذاكرتي !
لكن صوتها سبقها إليّ، فقد غمرني بكل ما تحمله الكلمة من معنى… أجل، غمرني بمجرد دخولي مجلس عزاء أُقيم لأخ صديقة لنا -رحمه الله-. صوتها الروحاني تسلّل إلى أعماقي، وظننتُ بدايةً أن المقام الذي نحن فيه هو من ألقى بظلال هذا الشعور الحاني؛ فكم تأخذ من روحي مجالس العزاء لفقد الشباب! وأخافُ كثيرًا الذهاب إليها، فأكونُ متوجسة ومرتَابة من تلك الروح التي ستغرق في حزنها وكأن الفقد يعنيني!
نعودُ إلى بهيجة!
بعد انتهاء المجلس، جاءت لتجلس بقربي ، ذلك أن صديقتي هي أيضًا صديقتها. احتضنتها وشكرتُها على القراءة، ثم استدارت نحوي لتعرّفها إليّ، وقالت: حليمة ! فردّت بابتسامة لطيفة: أعرفها من الي أسمعه عنها، وتابعت: وأنا بهيجة . ثم سألت بتهذيب: عادي أجلس معكم؟ .
أجبتُها، دون انتظار رد صديقتنا المشتركة صاحبة العزاء: طبعًا، تفضلي! بهيجة… ما أجمله من اسم، وما أجمل صوتك!
وبدأ بيننا حديث أوقعني أكثر في ورطة محبتها.
هذه المرأة التي نشأت على فقدٍ مبكر لوالدتها، فكانت أمًّا لنفسها ولإخوتها الذكور، واكتفت بدراستها الثانوية لتستمر في رعايتهم حتى بلغوا مبلغ الرجال. ثم قررت أن تُكمل تعليمها بدعم منهم، واختارت تخصصًا له علاقة بالتربية الخاصة والعلاج السلوكي في جامعة أم القرى.
أفخرُ كثيرًا، وأُصابُ بحالة من الزهو، عندما ألتقي بالنساء اللاتي حوّلن بؤسهن وضعفهن إلى قوة؛ صاحبات الإرادة الحرة رغم كل الظروف والمعوقات في محيطهن ومجتمعاتهن، النساء اللاتي يخلقن من العدم حياة، ويصنعن الأمل رغم اليباس.
كلما تحدثت بهيجة، ابتهجتُ معها الروح…
أتحدثُ عنها بحماس مفرط، ليس لأنها استثنائية، أو لأنها مكتملة النضج، أو لأنها دخلت قلبي بلا أي حواجز… كل ذلك يليق بها، ولكن لأنها امرأة ترى نفسها عادية، وترى أن كل ما فعلته هو حقها في الحياة، وواجبها تجاه عائلتها، ورسالتها التي تؤديها بابتسامة عريضة رغم لمعة التعب في عينيها.
هي تمثلني، وتمثل نساء كثيرات يجاهدن في هذه الحياة بروح حرة، خفيفة، ومحبة للعطاء.
وحين تحدثنا عن العطاء وحب مساعدة الآخرين، سألتني عن ذلك، فأجبتُها من عمق تجربتي، وعلى مدى سنوات من العمل الاجتماعي والتطوعي، بأنه لا يوجد شعور يضاهي شعور خدمة الناس والسعي في قضاء حوائجهم، أبدًا. ومهما سمعتِ من تعليقات بأن ذلك سذاجة، أو إفراط في بذل الوقت، أو غيرها من أولئك الذين حُرموا نعمة هذا الشعور، فلا تلتفتي إليها.
ولكن قدِّمي عطاءك بوعي وحذر لأن هناك من سيستغل ذلك، ويسرق منك وقتك وعطاءك وهو يعلم أنه يفعل ذلك.
وهنا عليك أن لا تندمي ولا تتوقفي، بل أكملي، ولكن بوعي أكبر، وبثقة أكبر، وبأفق أوسع. وكل ما تفعلينَه من عطاء ولطف ومحبة وخير هو عقاب لهم والأهم أن تُخرجيهم من دائرتك، وانتهى… فقط ألا يكون لهم وجود، وكأنهم ما خُلقوا في هذه الحياة!
بهيجة… اسم أخذت منه كل النصيب. أشعلت في روحي الفخر، وأيقظت الإلهام، وأحببتُ أن النساء من أمثالها كثيرات، وإن لم يظهرن للعلن ، فيكفي أن الله يعلم ويرى…
وكما يقول الجد العظيم محمود درويش:
الجميلات هُنَّ القويّاتُ
يأسٌ يضيء ولا يحترقْ
دمتِ بهيجة…ودمنا بهيجات الروح



