الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كبر الهوى.. وصغر الزمن

صُبرةالإثنين 31 أغسطس 2026، 10:00 ص
كبر الهوى.. وصغر الزمن

نزار المصطفى

هذه القصيدة من النصوص التي لا يكون الحب فيها موضوعًا للقصيدة بقدر ما يصبح هو الطريقة التي ترى بها القصيدة العالم. ولذلك فإن أجمل ما فيها أنها لا تحكي قصة حب فحسب، وإنما تحاول أن تلتقط اللحظة التي يتحول فيها الحب من حادثة عاطفية إلى زمن خاص، له عمره وذاكرته ولغته ومصيره.

العنوان «كبر الهوى عامًا» يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه مفتاح القصيدة كلها. فالشاعر لا يقول إن الحب استمر عامًا، وإنما يقول إنه «كبر». والكبر هنا ليس مرور الزمن فقط، بل انتقال الحب من حال إلى حال؛ من شرارة إلى حريق، ومن انفعال إلى معرفة، ومن لقاء إلى ذاكرة، ومن شباب عاطفي إلى حب يأتي في العمر المتأخر وكأنه تعويض عن شيء لم يعشه الإنسان في وقته.

من هنا تأتي المفارقة الجميلة في قوله:

«وأنا فتًى بالأمسِ أَجَّلَ عُمْرَهُ

وأفاقَ هذا اليومَ وَهْوَ مُعَمِّرُ»

هذه من أهم عبارات القصيدة؛ لأنها تكشف أن الشاعر لا يتحدث عن امرأة فقط، بل عن ذاته التي استيقظت متأخرة. «أجّل عمره» تعبير شديد الدلالة؛ فالشباب هنا ليس عمرًا زمنيًا، وإنما إمكانية عاطفية ظلت مؤجلة. وحين جاء الحب، لم يعد الشاعر يشعر بأنه تقدم في العمر، بل اكتشف أن في داخله فتى ظل ينتظر.

ولهذا تأتي الجملة:

«والحبُّ من بعد الشبابِ ضمادةٌ

وُضِعَتْ على الكسرِ الذي لا يُجبَرُ»

لكنها ليست جملة رومانسية خالصة؛ ففيها معرفة موجعة. الحب هنا لا يدّعي أنه يشفي الكسر، وإنما يضع عليه ضمادة. وهذا فارق عميق. فالشاعر يعرف أن بعض ما انكسر في الإنسان لا يعود كما كان، لكن الحب يمنحه القدرة على مواصلة الحياة دون أن ينكر كسره.

وفي المقطع الأول تتشكل صورة المرأة من خلال سلسلة من الاستعارات المتتابعة. هي امرأة «تفيض دروبها خطرًا»، ولون حياتها لو ظهر في لوحة فلن يظهر إلا «الأحمر»، وهي «هشة كالاعتذار، نقية كالصفح، هادئة كمن يتفكر»، ثم قوية وباهظة المشاعر. وهذه الصفات لا تبدو متناقضة كما قد يظن القارئ أول الأمر؛ بل هي جوهر صورتها. الشاعر يريد امرأة تجمع الرقة والقوة، الهشاشة والقدرة على التأثير، الهدوء والعاصفة.

ولعل أجمل ما في هذا البناء قوله:

«أنثى قد اعتكفتْ بمعبدِ ذاتِها

وتطهرتْ من كلِّ ما لا يطهرُ»

هنا لا تكون المرأة مجرد موضوع للرغبة، بل كيانًا مكتفيًا بذاته، له معبده الداخلي. وهذا يفسر انجذاب الشاعر إليها؛ فهو لا ينجذب إلى امرأة سهلة الاستهلاك الشعري، بل إلى امرأة لها عالمها الخاص، ولهذا تبدو «كثيرة» عليه:

«أنثى عليَّ كثيرةٌ، لكنَّما

هيَ في الخيالِ على القصيدةِ أكثرُ»

وهذه عبارة تستحق التوقف طويلًا؛ لأن المرأة الواقعية مهما بلغت من الحضور تظل محدودة بوجودها، أما المرأة حين تدخل القصيدة فإنها تصبح أوسع من الواقع. القصيدة لا تنقل المرأة، وإنما تعيد خلقها في الخيال. ولذلك فإن «هي» في القصيدة أكثر منها في الحياة.

ومن أجمل مناطق النص ذلك المقطع الذي يجعل العطر موسيقى:

«لكيانِها العطريِّ موسيقى، فما

يدري النسيمُ: يُصِيخُ أمْ يتعطَّرُ»

هنا تنتقل الحاسة من الشم إلى السمع. وهذا ليس ترفًا بلاغيًا، وإنما هو جزء من طبيعة التجربة الشعرية؛ فحين يبلغ الانفعال درجة عالية تتداخل الحواس، ويصبح العطر موسيقى، والموسيقى عطرًا. والنسيم نفسه يحتار: هل يسمع أم يتعطر؟ وهذه من الصور التي تكشف شاعرية جاسم الصحيح في تحويل المحسوس إلى معنى.

وكذلك قوله:

«خُتِمَ الرحيقُ بها، فما استطعمتُها

إلا تسرَّبَ في دمايَ السكرُ»

الحب هنا لا يبقى خارج الجسد. المرأة تتحول إلى مادة تسري في الدم، ولذلك يصبح التذوق امتدادًا للوجود. وهذا يقودنا إلى إحدى الأفكار المركزية في القصيدة: الحب ليس شيئًا يمتلكه الإنسان، بل شيء يسكنه.

ولهذا يقول لاحقًا:

«وبِكِ امتلأتُ بعُمْقِ مَنْ لكِ ينتمي..

فالامتلاءُ هو انتماءٌ مُضمَرُ»

هذه ربما من أكثر الجمل الفكرية أهمية في القصيدة. فالانتماء في نظر الشاعر لا يبدأ بعبارة «أنا لك»، وإنما يبدأ حين يمتلئ الإنسان بالآخر. الامتلاء هنا ليس كثرة حضور المحبوب في الذاكرة، بل تحوله إلى جزء من تكوين الذات. ولذلك يصبح الانتماء نتيجة طبيعية للامتلاء.

ثم تتقدم القصيدة من الحب بوصفه علاقة إلى الحب بوصفه زمنًا.

«كَبِرَ الهوى عامًا؛ ولم نشعرْ بهِ..

أحلى السنينِ بلا شعورٍ تعبرُ»

هنا يبلغ العنوان معناه الحقيقي. السنة لا تُقاس بعدد أيامها، وإنما بما تتركه في الروح. ولذلك فإن أجمل السنوات هي التي لا يشعر الإنسان بمرورها. الحب يوقف الإحساس بالزمن أثناء عيشه، ثم يعيد الإنسان إلى الزمن حين يتأمل الذكريات.

ولهذا يقول:

«يجري بجانبنا الزمانُ، ولا نرى

مجراهُ إلا حينما نتأخرُ»

هذه من أجمل الحكم التي ولدت من داخل التجربة نفسها. فالإنسان لا يرى الزمن وهو يمر، لأنه يعيش داخله. لا يكتشفه إلا عندما يصبح الماضي وراءه. والصور القديمة والأسماء والذكريات هي العلامات التي تكشف له أن ما كان حاضرًا صار تاريخًا.

ومن هنا تتصل القصيدة بفكرة الخلود:

«وشعورُنا في الحبِّ ذو أبديَّةٍ

يأبى الفناءَ، وإنَّما يتحوَّرُ»

وهذه فكرة ناضجة جدًا؛ لأن الشاعر لا يقول إن الحب ينتصر على الزمن بمعنى أنه يبقى بالصورة نفسها، بل يقول إنه «يتحوّر». وهذه كلمة دقيقة. الحب لا يبقى كما بدأ، وإنما يتحول من حضور إلى ذكرى، ومن لقاء إلى صورة، ومن كلام إلى معنى. والفناء لا يلغيه، وإنما يغير شكله.

أما المقطع الأخير فيعيد تعريف الحب كله:

«والحبُّ في الزمنِ الخرابِ وسيلةٌ

لنصونَ من أرواحِنا ما نَقدِرُ»

وهنا ترتفع القصيدة من التجربة الخاصة إلى المعنى الإنساني. الحب ليس فقط متعة أو غرامًا أو تعلقًا بامرأة؛ إنه وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسان في زمن الخراب. كأن العالم الخارجي يزداد قسوة، فلا يبقى للإنسان إلا أن يحافظ داخل قلبه على شيء من الجمال والحنان والطفولة والقدرة على الحلم.

وهذا يفسر المقطع الذي يقول فيه:

«وأنا وإياها نعيشُ طفولةَ الـ

أرواحِ حيثُ الروحُ لا تتغيرُ»

الطفولة هنا ليست نقصًا في النضج، بل عودة إلى الأصل. فالحب يعيد الإنسان إلى منطقة لا تحكمها حسابات العمر. ولهذا يستطيع رجل «مُعَمِّر» أن يصبح فتى، وتستطيع امرأة ناضجة أن تكون «طفلة» في الحب، وتستطيع العلاقة أن تعيد الاثنين إلى زمن لا تقيسه السنوات.

ومن اللافت أن الشاعر لا يجعل العلاقة قائمة على الجسد وحده، بل على الكتب والخيال والذاكرة والقهوة والطفولة. وهذه التفاصيل مهمة جدًا لأنها تمنح القصيدة حياة يومية. فالحب لا يعيش فقط في العبارات الكبرى، وإنما في «تبادل الكتب»، وفي «القهوة السوداء»، وفي السهر، وفي المزاج المتعكر، وفي النداء «صغيرها». وهذه التفاصيل هي التي تجعل المرأة شخصية شعرية محسوسة لا مجرد صورة مثالية معلقة في الهواء.

وفي هذا السياق تأتي عبارة:

«تحلو إقامتُنا بجنةِ وهمِنا

فنبيتُ في قصرِ الخيالِ ونسهرُ»

والشاعر هنا لا يخدع نفسه بشأن طبيعة العلاقة. إنه يسميها «وهمًا» و«خيالًا»، ولكنه لا يستخدم الكلمتين بمعنى الزيف. الوهم هنا مساحة نفسية جميلة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش شيئًا لا يستطيع الواقع أن يمنحه كاملًا. ولذلك يصبح الخيال ليس نقيض الحقيقة، وإنما إحدى طرائق الإنسان في احتمال الحقيقة.

ومن الناحية الفنية، القصيدة تقوم على كثافة واضحة في التشبيه والاستعارة، وعلى توظيف ثقافي واسع: باب خيبر وحيدر، نوح والسفينة، القيصر، مجنون عبلة وعنتر، منى والمشعر، وغيرها. وهذه الإحالات تمنح التجربة الخاصة امتدادًا إلى الذاكرة العربية والإنسانية. فالمرأة ليست امرأة واحدة فقط؛ إنها تدخل في شبكة من الرموز التي عرفها الإنسان حين أحب وحلم وتحدى الزمن.

غير أن كثافة الصور والإحالات هي في الوقت نفسه الملاحظة الأبرز التي يمكن تسجيلها على القصيدة.

ففي بعض المواضع تتوالى الصورة بعد الصورة بسرعة شديدة، حتى لا يأخذ بعضها فرصة كافية لكي يستقر في وجدان القارئ. الشاعر يقول شيئًا جميلاً، ثم يسارع إلى صورة أجمل أو أكثر لمعانًا، فتتجاور اللآلئ بدل أن تتباعد قليلًا لكي يكتمل بريق كل واحدة منها. وهذا ليس عيبًا جوهريًا، ولكنه أثر من آثار غزارة الشاعر وخياله.

كذلك فإن بعض التراكيب تبدو مصممة بوضوح لخدمة القافية، ولا سيما في بعض المواضع التي يضطر فيها المعنى إلى الاقتراب من القافية أكثر مما ينبغي. غير أن هذا لا يضر بالبنية العامة، لأن جاسم الصحيح من الشعراء الذين يمتلكون أدواتهم العروضية واللغوية، ويعرفون كيف يجعلون القافية جزءًا من النسيج لا مجرد نهاية للبيت.

وهناك ملاحظة أخرى أكثر دقة: القصيدة تبدأ بحضور جسدي وحسي قوي جدًا، ثم تنتقل إلى الحب والطفولة والذاكرة والزمن والخراب. وهذا الانتقال واسع. لكنه في الحقيقة ليس انتقالًا عشوائيًا؛ إنه مسار صاعد من المرأة إلى الحب، ومن الحب إلى الزمن، ومن الزمن إلى معنى الوجود. ولذلك يمكن النظر إلى القصيدة كلها باعتبارها رحلة من «هي» إلى «نحن»، ثم من «نحن» إلى «الزمن»، وأخيرًا من الزمن إلى «الروح».

وأعتقد أن أقوى ما في القصيدة ليس كثافة الغزل، ولا جمال صور المرأة، ولا حتى براعة القافية، وإنما هذه الفكرة العميقة التي تتكشف تدريجيًا: الإنسان لا يكبر بالسنين وحدها؛ بعض المشاعر تكبر معه، وبعضها يظل شابًا حتى يأتي الحب فيوقظه. ولذلك فإن «كبر الهوى عامًا» ليست عبارة عن سنة مضت، وإنما عن روح اكتشفت أن الزمن يستطيع أن يكبر الجسد دون أن يكبر الحب بالضرورة.

والقصيدة في جوهرها قصيدة عن مقاومة الفناء.

فالشاعر يعرف أن الجراح تكبر، وأن العمر يمضي، وأن الصور القديمة ستصبح شاهدًا على مرور الزمن، وأن اللقاءات قد تتحول إلى ذكريات. لكنه مع ذلك يتمسك بالحب لا لأنه يعتقد أنه سيوقف الزمن، وإنما لأنه يمنحه شيئًا أكثر تواضعًا وأعمق: أن يحتفظ الإنسان بجزء من نفسه من أن يفسده الزمن.

وهنا يعود البيت الأخير ليضيء القصيدة كلها من جديد:

«والحبُّ في الزمنِ الخرابِ وسيلةٌ

لنصونَ من أرواحِنا ما نَقدِرُ»

كأن الشاعر يقول في النهاية: نحن لا نحب لكي نهزم الزمن، وإنما نحب لكي لا يسمح لنا الزمن بأن نفقد أجمل ما فينا.

وهذه هي حقيقة القصيدة في رأيي؛ إنها ليست قصيدة عن امرأة أحبها جاسم الصحيح، بقدر ما هي قصيدة عن رجل اكتشف، بعد أن مضى من العمر ما مضى، أن في الروح عمرًا آخر لا يخضع تمامًا للسنين. ولذلك حين يقول «كبر الهوى عامًا» فهو في العمق يقول: كبرت سنة، لكن الحب جعلني أكتشف أن شيئًا في داخلي لم يكبر، بل عاد إلى طفولته الأولى.

وفي هذا المعنى تحديدًا تبدو القصيدة جميلة وناضجة؛ لأنها تبدأ بالغرام وتنتهي بفلسفة الحب، تبدأ بالمرأة وتنتهي بالإنسان، تبدأ بالحضور وتنتهي بمقاومة الغياب، وتبدأ بسنة من العمر وتنتهي بمحاولة إنقاذ الروح من الزمن.

ولكنه لا يستخدم الكلمتين بمعنى الزيف. الوهم هنا مساحة نفسية جميلة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش شيئًا لا يستطيع الواقع أن يمنحه كاملًا. ولذلك يصبح الخيال ليس نقيض الحقيقة، وإنما إحدى طرائق الإنسان في احتمال الحقيقة.

ومن الناحية الفنية، القصيدة تقوم على كثافة واضحة في التشبيه والاستعارة، وعلى توظيف ثقافي واسع: باب خيبر وحيدر، نوح والسفينة، القيصر، مجنون عبلة وعنتر، منى والمشعر، وغيرها. وهذه الإحالات تمنح التجربة الخاصة امتدادًا إلى الذاكرة العربية والإنسانية. فالمرأة ليست امرأة واحدة فقط؛ إنها تدخل في شبكة من الرموز التي عرفها الإنسان حين أحب وحلم وتحدى الزمن.

غير أن كثافة الصور والإحالات هي في الوقت نفسه الملاحظة الأبرز التي يمكن تسجيلها على القصيدة.

ففي بعض المواضع تتوالى الصورة بعد الصورة بسرعة شديدة، حتى لا يأخذ بعضها فرصة كافية لكي يستقر في وجدان القارئ. الشاعر يقول شيئًا جميلاً، ثم يسارع إلى صورة أجمل أو أكثر لمعانًا، فتتجاور اللآلئ بدل أن تتباعد قليلًا لكي يكتمل بريق كل واحدة منها. وهذا ليس عيبًا جوهريًا، ولكنه أثر من آثار غزارة الشاعر وخياله.

كذلك فإن بعض التراكيب تبدو مصممة بوضوح لخدمة القافية، ولا سيما في بعض المواضع التي يضطر فيها المعنى إلى الاقتراب من القافية أكثر مما ينبغي. غير أن هذا لا يضر بالبنية العامة، لأن جاسم الصحيح من الشعراء الذين يمتلكون أدواتهم العروضية واللغوية، ويعرفون كيف يجعلون القافية جزءًا من النسيج لا مجرد نهاية للبيت.

وهناك ملاحظة أخرى أكثر دقة: القصيدة تبدأ بحضور جسدي وحسي قوي جدًا، ثم تنتقل إلى الحب والطفولة والذاكرة والزمن والخراب. وهذا الانتقال واسع. لكنه في الحقيقة ليس انتقالًا عشوائيًا؛ إنه مسار صاعد من «هي» إلى «نحن»، ثم من «نحن» إلى «الزمن»، وأخيرًا من الزمن إلى «الروح».

وأعتقد أن أقوى ما في القصيدة ليس كثافة الغزل، ولا جمال صور المرأة، ولا حتى براعة القافية، وإنما هذه الفكرة العميقة التي تتكشف تدريجيًا: الإنسان لا يكبر بالسنين وحدها؛ بعض المشاعر تكبر معه، وبعضها يظل شابًا حتى يأتي الحب فيوقظه. ولذلك فإن «كبر الهوى عامًا» ليست عبارة عن سنة مضت، وإنما عن روح اكتشفت أن الزمن يستطيع أن يكبر الجسد دون أن يكبر الحب بالضرورة.

والقصيدة في جوهرها قصيدة عن مقاومة الفناء.

فالشاعر يعرف أن الجراح تكبر، وأن العمر يمضي، وأن الصور القديمة ستصبح شاهدًا على مرور الزمن، وأن اللقاءات قد تتحول إلى ذكريات. لكنه مع ذلك يتمسك بالحب لا لأنه يعتقد أنه سيوقف الزمن، وإنما لأنه يمنحه شيئًا أكثر تواضعًا وأعمق: أن يحتفظ الإنسان بجزء من نفسه من أن يفسده الزمن.

وهنا يعود البيت الأخير ليضيء القصيدة كلها من جديد:

«والحبُّ في الزمنِ الخرابِ وسيلةٌ

لنصونَ من أرواحِنا ما نَقدِرُ»

كأن الشاعر يقول في النهاية: نحن لا نحب لكي نهزم الزمن، وإنما نحب لكي لا يسمح لنا الزمن بأن نفقد أجمل ما فينا.

وهذه هي حقيقة القصيدة في رأيي؛ إنها ليست قصيدة عن امرأة أحبها جاسم الصحيح، بقدر ما هي قصيدة عن رجل اكتشف، بعد أن مضى من العمر ما مضى، أن في الروح عمرًا آخر لا يخضع تمامًا للسنين. ولذلك حين يقول «كبر الهوى عامًا» فهو في العمق يقول: كبرت سنة، لكن الحب جعلني أكتشف أن شيئًا في داخلي لم يكبر، بل عاد إلى طفولته الأولى.

وفي هذا المعنى تحديدًا تبدو القصيدة جميلة وناضجة؛ لأنها تبدأ بالغرام وتنتهي بفلسفة الحب، تبدأ بالمرأة وتنتهي بالإنسان، تبدأ بالحضور وتنتهي بمقاومة الغياب، وتبدأ بسنة من العمر وتنتهي بمحاولة إنقاذ الروح من الزمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نص القصيدة للشاعر جاسم الصحيح

*كَبِرَ الهوى عامًا*

لولا هواكِ يُذيبُني ويُقَطِّرُ

لحَيِيتُ داخلَ كائنٍٍ يَتَحَجَّرُ

قد كانَ قلبيَ (بابَ خيبرَ) في الهوى

وقَلَعْتِهِ، فكأنَّ حُبَّكِ (حيدرُ)

وعلقتُ بامرأةٍ تفيضُ دروبُها

خَطَرًا، ولكنَّ التراجعَ أخطرُ

لو شَفّ لونُ حياتِها في لوحةٍ

فَنِّيَّةٍ.. ما شَفَّ إلا الأحمرُ

أنثى قد اعتكفتْ بمعبدِ ذاتِها

وتطهَّرَتْ من كلِّ ما لا يَطهُرُ

أنثى قد ابتدأَ (البنفسجُ) خَلْقَها

حتَّى غفا، فأَتَمَّها (اللَّافَنْدَرُ)

لِـكيَانِها العِطرِيِّ مُوسيقَى، فما

يدري النسيمُ : يُصِيخُ أمْ يتعطَّرُ!!

خُتِمَ الرحيقُ بها، فما اسْتَطْعَمتُها

إلا تَسَرَّبَ في دِمايَ، السُّكَّرُ

هِيَ هَشَّةٌ كالاعتذارِ.. نَقِيَّةٌ

كالصفحِ.. هادئةٌ كمَنْ يتفكَّرُ

وقَوِيَّةٌ في الحبِّ، باهظةُ المشاعرِ-

في الهوى، وكأنَّـها لا تَشعُرُ!

وجميلةٌ كالانتصارِ لموطنٍ

نحيا لهُ، ونعيشُ فيهِ، ونُقبَرُ

وبسيطةٌ تمحو الهمومَ بقَهْوَةٍ

سوداءَ حين همومُها تتجبَّـرُ

مَرَّ الدلالُ بها عليَّ، ولِلصَّدَى

من كعبها العالي بصدريَ خنجرُ

قالتْ لِـيَ الأرصادُ: ثَمَّةَ عاصفٌ

آتٍ.. يهبُّ على القلوبِ ويَهدُرُ

فوَقَفْتُ وقفةَ خارجٍ من قبرِهِ

يومَ الحساب، وقد أُقيمَ المَحشَرُ

لُغتي أمامَ عيونِها تتخدَّرُ

وفمي يغيبُ، ومنطقي يتبعثرُ

أنثى عليَّ كثيرةٌ، لكنَّما

هِيَ في الخيالِ على القصيدةِ أكثرُ

وأنا فتًى بالأمسِ أَجَّلَ عُمْرَهُ

وأفاقَ هذا اليومَ وَهْوَ مُعَمِّرُ

والحبُّ من بعد الشبابِ ضمادةٌ

وُضِعَتْ على الكَسرِ الذي لا يُجبَرُ

****

كَبِرَ الهوى عامًا; ولم نشعرْ بهِ..

أحلى السنين بلا شُعورٍ تَعبُرُ!!

تبدو الحياةُ طويلةً لنعيشَها

وتَمُرُّ في الحُلمِ الجميلِ فتَقصُرُ

قَدَرٌ علينا الحبُّ، إلا أنَّنا

نختارُ فيه مصيرَنا ونُقَدِّرُ

أَبَدًا نصونُ من الحكايةِ ماءَها

خوفًا على ماءِ الحكايةِ يُهدَرُ

ونسوقُ ركبَ الأمنيات إلى (مِنًى)

من قُربناِ حيث التقاربُ (مَشعَرُ)

تنمو بأغصانِ الوفاءِ صدورُنا

فإذا العلاقةُ بيننا تتشجَّرُ

والحبُّ لم يبرحْ يقولُ لنا : اضحكوا..

وكأنَّهُ للذكرياتِ مُصَوِّرُ !

وأنا وإيَّاها نعيشُ طفولةَ الـ-

أرواحِ حيث الروحُ لا تتغيَّرُ

نتبادلُ الكُتُبَ البديعةَ، علَّنا

نحيا حكايا المُبدعينَ فنُزهِرُ

أحببتُ فيها كبرياءَ طفولةٍ

تنتابُها ومزاجُها مُتَعَكِّرُ

هِيَ لا تُسَمِّيني بغيرِ صغيرِها

مِنْ فَرطِ ما هِيَ بالأمومةِ تَزخَرُ

تحلو إقامتُنا بجَنَّةِ وَهْمِنَا

فنبيتُ في قصرِ الخيالِ ونسهرُ

ما ليسَ يدري الليلُ أنَّ وُجودَهُ

-لولا السهادُ العَذبُ – ليسَ يُبَرَّرُ

****

يا غيمةً في القلبِ تُمطِرُ; لم أجدْ

من قَبلِكِ امرأةً تغيمُ وتُمطِرُ

جَرَّدتِني من كلِّ ما هُوَ أصفرُ

وكَسَوتِني مِمَّا بهِ أخضوضرُ

ما كنتُ (نُوحًا) في هواكِ وإنْ تَكُنْ

روحي (سفينتَك) التي بكِ تُبحِرُ

لو كانَ حُبُّكِ في لهاتيَ نغمةً

غَنَّيتُ فيكِ كما يغنِّي (القيصرُ)

كَبِرَ الهوى عامًا، فلا تتذمَّري

حينَ الجراح بِنا كذلكَ تَكبَرُ

بعضُ الشهود على حقيقةِ حُبِّنَا

جُرحٌ نُصابُ بهِ، وخَدشٌ يظهرُ

راهنتُ فيكِ على الشرارةِ داخلي

ورعيتُها، فنما الحريقُ المُسعَرُ

وبِكِ امتلأتُ بعُمْقِ مَنْ لكِ ينتمي..

فالامتلاءُ هُوَ انتماءٌ مُضْمَرُ!!

مَنْ كانَ آمَنَ بالشَّرارِ من الهوى

أتُراهُ يومًا بالحرائقِ يكفرُ؟!

لي كلَّ يومٍ ألتقيكِ ولادةٌ..

كمْ في ولاداتِ الهوى أتكرَّرُ!

ويضيقُ بي عقلي الأسيرُ، فيحتفي

بِـيَ في الهيامِ جُنونيَ المُتَحَرِّرُ

(مجنونُ عبلةَ) لا يموتُ، وإن يكنْ

قد ماتَ منذُ الجاهليةِ (عنترُ)

يجري بجانبِنا الزمانُ، ولا نرى

مجراهُ إلا حينما نتأخَّرُ

فنراهُ في الصُّوَرِ العتيقةِ صُورةً

تُجلَى، وفي الأسماء اِسمًا يُذكَرُ

وشعورُنا في الحبِّ ذو أبديَّةٍ

يأبى الفناء، وإنَّما يتحوَّرُ

فنعيشُهُ في الذكرياتِ، كأنَّنا

نرضَى نُغادِرُ، إنَّما لا نَغدُرُ

والحبُّ في الزمنِ الخرابِ وسيلةٌ

لنصونَ من أرواحِنا ما نَقدِرُ

****