معلمون دكاترة 8 | محمد المرزوق.. العالم لا يتوقف بعد الدكتوراه

القطيف: معصومة المقرقش
كان الدكتور محمد بن حسن المرزوق يستعد لخطوة انتظرها سنوات طويلة؛ الانتقال من المنطقة الشرقية إلى الرياض، ليجمع بين وظيفته معلماً للأحياء ودراسته للدكتوراه في جامعة الملك سعود. حصل على القبول الجامعي، وقدم طلب النقل الوظيفي، وبدأ يرتب حياته على أساس أن أيام الأسبوع ستكون للعمل والدراسة في الرياض، فيما تبقى عطلة نهاية الأسبوع لأسرته في الشرقية، لكن قبل أن يبدأ الفصل الدراسي، وقعت في منزله أحداث لم تكن ضمن حساباته.
رُزق بابنته الصغرى، وأخبره الأطباء بأنها تحتاج إلى رعاية طبية وعلاج طبيعي مستمر، وبعد فترة قصيرة أصيب أحد أبنائه، وكان في الصف الرابع الابتدائي، بمرض السكري. وأصبح على الأسرة أن تتعلم كيفية التعامل مع المرض وإعطاء الأنسولين ومتابعة العلاج، بينما كان موعد انتقال الأب إلى الرياض يقترب. وفي تلك الأيام، لم يعد السؤال متعلقاً بالقبول في الدكتوراه وحده، بل بقدرة الأسرة على تحمل غيابه طوال أيام الدراسة والعمل، وبكيفية توفير الرعاية لطفلين يحتاجان إلى متابعة خاصة.
يستعيد المرزوق تلك الفترة، ويقول إنه شعر للحظة بأن هذه الظروف ربما كانت إشارة إلى العدول عن السفر، لكنه عاد إلى التفكير في كيفية ترتيب مسؤولياته ومواصلة الدراسة. وكانت زوجته شريكته الأساسية في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته، ويقول: «لا أنسى تضحية الأهل، الزوجة حقيقة ما كانت تقول لي بسبب هذه الظروف اطلع من الجامعة وخليك معنا.. كانت داعمة جداً ومتحملة وصابرة، فلذلك هي شريك مهم في الإنجاز».
وهكذا مضى إلى الرياض، تاركاً وراءه مسؤوليات عائلية ثقيلة، وحاملاً معه حلماً علمياً بدأ قبل سنوات طويلة، ولم تنجح العقبات الإدارية والوظيفية في إطفائه.
حلم الطفولة
لم يبدأ حلم محمد المرزوق بالحصول على الدكتوراه، بل بمهنة التعليم نفسها. فمنذ دراسته الابتدائية، كان يتطلع إلى أن يصبح معلماً، وترسخت الرغبة في المرحلتين المتوسطة والثانوية، حتى أصبحت اختياره الأول عند التخرج. وحين حصل على قبول في أكثر من جامعة، بينها تخصصات هندسية، اختار كلية التربية بجامعة الملك سعود، لأنه أراد أن يكون معلماً.
يقول: «في الابتدائي أصبح عندي شعور أن أبغى أصير معلم.. وفي المتوسطة والثانوية تأكد عندي هذا الشيء». وُلد المرزوق في الأوجام عام 1393هـ، وحصل على بكالوريوس التربية في العلوم، تخصص الأحياء، من جامعة الملك سعود عام 1416هـ، بتقدير جيد جداً مرتفع، مع مرتبة الشرف الثانية، ومعدل 4.28 من 5.

وخلال سنواته الجامعية، بدأت تتشكل لديه رغبة أخرى إلى جانب التعليم، هي مواصلة الدراسات العليا. وكانت درجاته المرتفعة وإشادة أساتذته بأدائه تمنحانه الثقة في قدرته على إكمال الماجستير والدكتوراه، وقبل تخرجه سأل عن إمكانية العمل معيداً في الجامعة، تمهيداً لمواصلة الدراسة، لكنه لم يجد وظيفة متاحة. فتوجه إلى التعليم العام، وبدأ عمله معلماً في وزارة التعليم عام 1416هـ، وكانت ثانوية أم الحمام من محطات عمله في المنطقة الشرقية، من دون أن يتخلى عن طموحه الأكاديمي.

توقيع ناقص
بعد ست سنوات من التدريس، تمكن المرزوق من الحصول على قبول لدراسة الماجستير في جامعة الملك سعود، وبدأ إجراءات الإيفاد الداخلي، لكن مع اقتراب الدراسة اكتشف أن موافقة وزارة التعليم تأخرت بسبب توقيع إداري ناقص في أحد النماذج. أُعيدت المعاملة لاستكمال التوقيع، وكانت اللجنة المختصة قد أنهت اجتماعاتها، ولم يكن مقرراً أن تجتمع مجدداً إلا بعد نحو شهرين ونصف.
وجد نفسه أمام خيارين: أن يفقد فرصة الدراسة التي انتظرها، أو يبدأ الماجستير قبل وصول الموافقة الرسمية، فاختار الحل الثاني. تقدم بطلب إجازة دون راتب لمدة شهرين ونصف، وبدأ الدراسة في الجامعة، منتظراً انتهاء الإجراءات. ويقول إن بعض زملائه لم يتمكنوا من اتخاذ الخطوة نفسها، فضاعت عليهم فرصة الدراسة رغم وصول الموافقات لاحقاً، بعدما كان الفصل الدراسي قد تقدم.
أما هو، فواصل دراسته حتى وصلت الموافقة، وأكمل الماجستير خلال ثلاث سنوات، وحصل على الدرجة عام 1426هـ، في تخصص بيولوجيا الخلية والوراثة والأنسجة، من قسم علم الحيوان بكلية العلوم في جامعة الملك سعود، بتقدير ممتاز ومعدل 4.73 من 5.
لكن النجاح لم يكن بلا كلفة؛ فقد ترك أسرته في الشرقية، وأقام في الرياض طوال أيام الدراسة، وعاد إليها أسبوعياً بسيارته الخاصة، متحملاً تكاليف السكن والسفر والمعيشة. وكانت وظيفته في ثانوية أم الحمام قريبة من منزله، لكن الدراسة فرضت عليه حياة موزعة بين مدينتين.
باب مغلق
بعد الماجستير، أراد المرزوق مواصلة الدكتوراه مباشرة، لكنه واجه شرطاً يلزمه بالعودة إلى العمل مدة تعادل فترة تفرغه للدراسة. عاد إلى المدرسة ثلاث سنوات، ثم تقدم مجدداً إلى الجامعة، وحصل على القبول، غير أن العقبة هذه المرة كانت أكبر من توقيع ناقص.
فقد فوجئ، بعد إجراءات ومقابلات، بأن الإيفاد للدكتوراه أصبح مقتصراً على التخصصات التربوية، بينما كان تخصصه في العلوم، وتحديداً علم الحيوان. ويقول إن القرار أصابه بخيبة أمل؛ فقد حصل على القبول الأكاديمي، لكن الطريق الوظيفي إلى الدراسة كان مغلقاً، ومع ذلك لم يتخلَّ عن هدفه.

أربع سنوات في البحرين
وجد المرزوق فرصة للإيفاد إلى الخارج للتدريس، لا للدراسة، وكان أمامه خياران: العمل في الأكاديمية السعودية بموسكو، أو التدريس في مملكة البحرين. اختار البحرين، آملاً أن يجد هناك برنامج دكتوراه مناسباً لتخصصه، وأمضى أربع سنوات في التدريس والبحث عن فرص الدراسات العليا، لكنه وجد أن برامج الدكتوراه المتاحة كانت في تخصصات إدارية لا يرغب فيها، بينما اقتصرت البرامج القريبة من تخصصه على الماجستير، وهو يحمل هذه الدرجة بالفعل.

لم يحصل على الدكتوراه خلال تلك السنوات، لكنه عاد بخبرة تعليمية جديدة، وتوثق سيرته حصوله على جائزة المعلم السعودي المتميز في البحرين، عن العام الدراسي 1431–1432هـ. وبعد انتهاء مدة الإيفاد، عاد إلى المملكة، وما زالت فكرة الدكتوراه ترافقه.
مخاطرة النقل
بعد ثلاث سنوات أخرى من العمل في المملكة، قرر المرزوق تغيير الطريقة التي يسعى بها إلى الدكتوراه. فبدلاً من انتظار إيفاد لا يشمل تخصصه، تقدم بطلب قبول جديد في جامعة الملك سعود، وفي الوقت نفسه قدم طلب نقل وظيفته التعليمية إلى الرياض.
كان القرار ينطوي على مخاطرة مزدوجة؛ فقد يُقبل في الجامعة ولا يحصل على النقل، أو ينتقل إلى الرياض ولا يحصل على القبول، وحتى إذا نجح الطلبان، فقد تكون المدرسة التي يُنقل إليها بعيدة عن الجامعة، بما يجعل الجمع بين العمل والدراسة مرهقاً. لكنه تقدم بالطلبين، وجاءت الموافقتان، فانتقل إلى الرياض معلماً وطالب دكتوراه في الوقت نفسه.
وبينما كانت الإجراءات تنتهي، كانت أسرته تستقبل مولودته الصغرى، ثم تواجه إصابة أحد أبنائه بالسكري. وهنا تداخلت أصعب مسؤولياته الأسرية مع القرار الذي انتظره سنوات، ويقول إن زوجته تحملت جانباً كبيراً من رعاية الأطفال ومتابعة علاجهم، وإن دعمها كان عاملاً أساسياً في استمراره.

نهار المدرسة وليالي الجامعة
لم يكن المرزوق متفرغاً للدكتوراه كما كان في الماجستير؛ فقد كان يذهب صباحاً إلى مدرسة الإمام عبد العزيز بن محمد في الرياض لأداء عمله معلماً، ثم يتوجه إلى جامعة الملك سعود بعد الظهر، ويعود إلى سكنه مساءً، أحياناً في السابعة أو الثامنة. وبين واجبات المدرسة والمحاضرات والأبحاث والاختبارات، كانت هناك رحلة أسبوعية بالسيارة إلى المنطقة الشرقية للقاء أسرته.
لم يكن الوقت الذي يقضيه في الرياض مخصصاً للدراسة وحدها، ولا الوقت الذي يعود فيه إلى أسرته خالياً من المسؤوليات. ويقول إن الجمع بين العمل والدكتوراه كان أشد صعوبة من مرحلة الماجستير؛ لأنه كان مطالباً بالوفاء بالتزاماته الوظيفية والأكاديمية والعائلية في آن واحد، وكانت حالة طفليه الصحية حاضرة في تفكيره طوال هذه السنوات.
ويشير إلى أن ابنه واصل دراسته حتى وصل إلى الجامعة، فيما استمرت ابنته في تلقي العلاج الطبيعي. ولا ينسب المرزوق نجاحه إلى جهده الشخصي وحده، بل يعود مراراً إلى الحديث عن دور زوجته وصبرها، باعتبارهما جزءاً أساسياً من رحلته العلمية.
بحث في خلايا السرطان
في جامعة الملك سعود، اتجه المرزوق إلى دراسة تأثير الجسيمات النانوية في الخلايا البشرية، وحملت أطروحته عنوان «السمية الخلوية والوراثية لجسيمات البلاتين متناهية الصغر على خطوط خلايا كبد الإنسان الطبيعية والسرطانية». واختار الموضوع بالتوافق مع مشرفه، وبما ينسجم مع تخصصه الدقيق في بيولوجيا الخلية والوراثة والأنسجة.
وكان الهدف دراسة التأثيرات السمية لجسيمات البلاتين النانوية في الخلايا، ومعرفة الفروق بين استجابة الخلايا الطبيعية والسرطانية لها. وأظهرت نتائج البحث، وفق ما يوضحه المرزوق، أن هذه الجسيمات أحدثت موتاً خلوياً مبرمجاً ونخراً خلوياً في خلايا الكبد التي شملتها التجارب، وأن الخلايا السرطانية كانت أكثر تأثراً من الخلايا الطبيعية.
كما لم يظهر تأثير بارز للجسيمات في نمو الخلايا الطبيعية المولدة للألياف، ضمن ظروف التجربة. ويشير إلى أن النتائج تدعم مواصلة البحث في إمكانية الاستفادة من هذه الجسيمات لتطوير تركيبات دوائية مضادة للسرطان، لكن هذه النتائج تتعلق بتجارب على خطوط خلوية، ولا تعني التوصل إلى علاج مثبت للمرضى؛ إذ تحتاج التطبيقات العلاجية إلى مراحل أخرى من البحث والاختبار.
ونُشر بحث علمي مرتبط بأطروحته عام 2020 في مجلة Environmental Toxicology، تناول التأثيرات الوراثية والخلوية لجسيمات البلاتين النانوية في خلايا الكبد الطبيعية والسرطانية.

ثلاث ساعات ونصف
جاء موعد مناقشة الدكتوراه خلال جائحة كورونا، ولذلك لم تكن المناقشة حضورية. جلس المرزوق وحده في غرفة بمنزله، أمام شاشة الحاسوب، بينما اجتمعت لجنة المناقشة معه عن بُعد، وبدأت المناقشة في التاسعة صباحاً، واستمرت حتى الثانية عشرة والنصف ظهراً.
ثلاث ساعات ونصف استعرض خلالها بحثه وناقش أعضاء اللجنة في المنهج والنتائج والاستنتاجات. وبعد انتهاء النقاش، غاب أعضاء اللجنة نحو عشر دقائق للتداول في تقييم الأطروحة، وكان ينتظر النتيجة وحيداً، بعد سنوات من التنقل والدراسة والعمل والابتعاد عن الأسرة.
ثم عاد أعضاء اللجنة وأبلغوه بقبول الرسالة، وحصل على الدكتوراه في علم الحيوان، تخصص بيولوجيا الخلية والوراثة والأنسجة، من جامعة الملك سعود عام 1442هـ، بتقدير ممتاز ومعدل 4.86 من 5.
خرج من الغرفة، وكانت زوجته أول من أخبرها بالنتيجة، وبعد ذلك أرسل الخبر إلى زملائه المعلمين عبر تطبيق واتساب، فتوالت التهاني. ولم يكن هناك احتفال مدرسي أو استقبال من الطلاب؛ فالمدارس كانت تعمل عن بُعد بسبب الجائحة، لكن لحظة إعلان النتيجة حملت بالنسبة إليه نهاية سنوات من المحاولات، بدأت بطلب وظيفة معيد لم تتوافر، ومرت بتوقيع إداري ناقص، وإيفاد تعذر، وأربع سنوات في البحرين، ثم انتقال وظيفي إلى الرياض.

بعد الشهادة
كان يمكن أن تنتهي الحكاية هنا، عند حصول المرزوق على الدكتوراه، لكن ما حدث بعد ذلك هو ما يمنح تجربته خصوصيتها؛ فلم يتوقف عن البحث العلمي، ولم يحصر نشاطه في الوظيفة التعليمية.
تضم سيرته الذاتية المحدثة 17 بحثاً علمياً منشوراً، تتناول موضوعات في الأحياء والسمية الخلوية والوراثة والجسيمات النانوية وتطبيقاتها. وتظهر أحدث الأبحاث المدرجة في سيرته عام 2025، ومنها دراستان تناولتا جسيمات نانوية وتأثيراتها في خلايا سرطانية بشرية.
وتكشف هذه الأعمال استمرار مشاركته في فرق بحثية بعد حصوله على الدكتوراه، رغم عدم انتقاله إلى وظيفة أكاديمية في الجامعة، وبذلك بقيت صلته بالمختبرات والأبحاث العلمية قائمة، إلى جانب عمله في وزارة التعليم.

20 ألف طالب
لم تقتصر أنشطة المرزوق على البحث العلمي؛ فقد شارك في تدريب الطلاب والطالبات على اختبارات القدرات العامة والتحصيلي، وتذكر سيرته أنه درّب أكثر من 20 ألف طالب وطالبة عبر منصة نون أكاديمي خلال العام الدراسي 1441–1442هـ.
كما اتجه إلى تدريب الطلاب الموهوبين في العلوم والأحياء، وشارك في برامج مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة»، لإعداد الطلاب وتأهيلهم للمنافسات العلمية الدولية. وتضمنت مشاركاته التدريب في برامج الأولمبيادات الدولية للأحياء، وتأهيل المعلمين الذين يتولون تدريب الطلاب المرشحين للمسابقات، وفي عام 2024 حصل على شهادة محكّم في الأولمبياد الدولي للأحياء، الذي أقيم في أستانا بكازاخستان.
ويستعيد المرزوق إحدى تجاربه في تدريب الموهوبين، عندما عمل إلى جانب أكاديميين من جامعات سعودية مختلفة، ويقول إن بعض المشاركين كانوا يستغربون عدم عمله في الجامعة، بعدما اطلعوا على خبرته العلمية وطريقة شرحه، وإنه كان يشارك زملاءه المدربين في شرح بعض الموضوعات قبل تقديمها للطلاب.

من الفصل إلى الإشراف
بعد حصوله على الدكتوراه، عاد المرزوق إلى المنطقة الشرقية، وعمل في ثانوية رحيمة برأس تنورة نحو عام، ثم انتقل إلى ثانوية أم الحمام، قبل تكليفه بالعمل في الإشراف التربوي. ومع عودة الدراسة الحضورية تدريجياً، لاحظ اعتزاز بعض الطلاب بحصول معلمهم على الدرجة العلمية، وحاول الاستفادة من تجربته في تشجيعهم على تنظيم الوقت والمراجعة ومواصلة التعليم.
ويعمل حالياً معلماً برتبة خبير في وزارة التعليم، ومكلفاً بالإشراف التربوي في العلوم والأحياء. وتضمنت مسيرته عضوية المجلس الاستشاري للمعلمين في دورته الأولى، إلى جانب عضويات في جمعيات علمية وتربوية، والمشاركة في برامج تدريبية ومؤتمرات متخصصة.
كما حصل على جوائز في التميز التعليمي، منها المركز الأول في جائزة التعليم للتميز على مستوى الإدارة العامة للتعليم بالمنطقة الشرقية في فئة المعلم المتميز. ولم ينقطع عن العمل التطوعي؛ إذ تسجل سيرته 842 ساعة عبر المنصة الوطنية للعمل التطوعي، و15 ساعة في التطوع الصحي، إضافة إلى التبرع بالدم 20 مرة.
الجامعة المؤجلة
على الرغم من هذه المسيرة، ما زال المرزوق يتطلع إلى الانتقال إلى التدريس الجامعي. ويقول إنه بدأ البحث عن الفرص الأكاديمية خلال السنوات الأخيرة من الدكتوراه، لكنه وجد أن طبيعة التوظيف في الجامعات تغيرت، وأن كثيراً من الفرص أصبحت مرتبطة بعقود محدودة المدة أو بنظام التعاون.
وقد عُرضت عليه فرصة تعاون أكاديمي خارج المنطقة الشرقية، لكنها كانت تتطلب الحضور، ولم تكن وظيفة مستقرة، وكان قبولها يعني احتمال التخلي عن وظيفته الرسمية من أجل فرصة تستمر فصلاً دراسياً واحداً، لذلك لم يرَ أن المخاطرة مناسبة.
وواجه أيضاً شروطاً تتعلق بالعمر، إذ يشير إلى أن بعض الفرص تشترط ألا يتجاوز المتقدم الأربعين عاماً، بينما كان قد تجاوز هذا العمر عند حصوله على الدكتوراه. أما الجامعات والكليات الأهلية القريبة، فلم يجد فيها فرصاً مناسبة لتخصصه الدقيق في الأحياء.
ومع ذلك، لم يغلق الباب، ويقول إنه ما زال يرغب في الانتقال إلى الجامعة، حتى لو كانت الفرصة في السنوات الأخيرة من خدمته الوظيفية.
الشعلة التي لا تنطفئ
عندما يتحدث محمد المرزوق عن رحلته، لا يجعل الذكاء أو التفوق الدراسي العامل الحاسم في الحصول على الدكتوراه، فهو يرى أن كثيرين يمتلكون القدرة العلمية، لكن ما ينقص بعضهم هو الاستعداد لتحمل المشقة والاستمرار أمام العقبات. ويقول إن الدراسة تحتاج إلى الاجتهاد والبحث والمتابعة، لكن «الجهد الأكبر المطلوب هو الرغبة والعزيمة».
وهي الفكرة التي رافقته منذ اختار كلية التربية بدلاً من تخصصات أخرى، ثم تمسك بالماجستير رغم تأخر الموافقة، وبالدكتوراه رغم إغلاق باب الإيفاد، وبالبحث العلمي رغم عدم حصوله على وظيفة جامعية.
من الأوجام إلى مدارس أم الحمام والبحرين ورأس تنورة والرياض، ومن تدريس الأحياء إلى البحث في تأثير الجسيمات النانوية على الخلايا السرطانية، مضى المرزوق في مسار لم يكن مستقيماً ولا سهلاً، وكانت أصعب محطاته تلك التي تداخل فيها حلمه العلمي مع حاجة طفليه إلى الرعاية، فوجد في دعم زوجته ما ساعده على مواصلة الطريق.
واليوم، بعد الدكتوراه و17 بحثاً علمياً وتدريب آلاف الطلاب والمشاركة في تأهيل الموهوبين، ما زال يطمح إلى قاعة جامعية يواصل فيها التعليم والبحث. لم تتوقف رحلته عند الشهادة، ولم تنتهِ عند حدود الوظيفة التي يشغلها؛ فبالنسبة إلى محمد المرزوق، لا تبدو الدكتوراه نهاية الطريق، بل محطة في عالم أوسع من المعرفة والعمل والطموح.



