غذاء الأم ومكونات حليبها.. ماذا تكشف عن وظائف الغدة الثديية؟

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي
كشفت دراستان دوليتان عن جوانب جديدة من تعقيد حليب الأم، وأوضحتا أن مكوناته لا تعتمد على غذاء الأم وحده؛ فبعضها يتأثر بنوعية الغذاء والمكملات الغذائية التي تتناولها الأم خلال فترة الرضاعة، بينما تخضع مكونات أخرى لتنظيم بيولوجي دقيق يرتبط بوظائف الغدة الثديية وإنتاج الحليب وتلبية احتياجات الرضيع أثناء نموه.

عدنان الحاجي
يحتوي حليب الأم على مجموعة متنوعة من المكونات، تشمل المغذيات، مثل الدهون والبروتينات والكربوهيدرات والفيتامينات والمعادن، التي تسهم في توفير الطاقة ودعم نمو الرضيع. كما يحتوي على مركبات حيوية، مثل بعض البروتينات والإنزيمات والهرمونات، التي تؤدي وظائف تتجاوز التغذية، إضافة إلى السكريات قليلة التعدد التي تساعد على دعم صحة أمعاء الرضيع، وكائنات حية دقيقة.
نُشرت الدراستان في 8 أكتوبر 2026 في مجلة ساينس (Science)، وأجراهما ائتلاف تركيبة الحليب الدولي (IMiC)، وهو تعاون علمي عالمي تقوده جامعة مانيتوبا، ويضم أكثر من 20 باحثًا من 13 مؤسسة في ست دول موزعة على أربع قارات. وقد تأسس الائتلاف بتمويل من مؤسسة غيتس (Gates Foundation)، بهدف دراسة حليب الأم بوصفه نظامًا بيولوجيًا معقدًا، لا مجرد مجموعة من عناصر غذائية.
أبرز نتائج الدراستين
بحثت الدراسة الأولى (2) في مدى تأثير المكملات الغذائية التي تتناولها الأم خلال فترة الرضاعة في مستويات بعض مكونات حليبها، وما إذا كان من الممكن تحسين هذه المستويات.
أما الدراسة الثانية (3)، فكشفت عن أنماط جزيئية في حليب الأم ترتبط بوظائف الغدة الثديية، وقد تساعد دراستها على فهم العلاقة بين هذه الوظائف وعمليات الأيض لدى الأم ونمو الرضيع.
وتوضح الدراستان أن حليب الأم ليس ثابت التركيب تمامًا، ولا يعكس النظام الغذائي للأم بصورة مباشرة في جميع مكوناته. وهذا ما أوضحته الدكتورة ميغان آزاد (Meghan Azad)، مديرة مبادرة حليب الأم (IMiC)، وحاملة كرسي الأبحاث الكندي في مجال التغذية المبكرة والأصول النمائية للصحة والمرض، وأستاذة طب الأطفال وصحة الطفل في كلية ماكس رادي للطب، التابعة لجامعة مانيتوبا.
وأضافت أن بعض مكونات الحليب تستجيب للتغيرات في تغذية الأم، بينما تخضع مكونات أخرى لتنظيم بيولوجي دقيق، أو تعكس العمليات الحيوية التي تجري في الثدي أثناء الرضاعة.
يشير مصطلح “الأصول النمائية للصحة والمرض” إلى مجال علمي يدرس كيف تؤثر الظروف التي يتعرض لها الإنسان خلال مراحل نموه المبكرة، ولا سيما أثناء الحمل والرضاعة والطفولة المبكرة، في صحته لاحقًا واحتمال إصابته ببعض الأمراض خلال حياته. ويشمل ذلك تأثير عوامل مثل تغذية الأم والطفل والبيئة المحيطة بهما في نمو الجسم ووظائفه على المدى الطويل.
وأوضحت الدكتورة آزاد، الباحثة في معهد أبحاث مستشفى الأطفال في مانيتوبا، أن الدراستين تمثلان أحد أكبر الجهود وأكثرها شمولًا لفهم مدى تعقيد حليب الأم لدى مجموعات سكانية متنوعة تختلف في بعض خصائصها، مثل الظروف البيئية والعادات الغذائية.
وشارك في الدراستين أكثر من ألف مجموعة ثنائية تضم كل مجموعة أمًّا ورضيعها من كندا، وبوركينا فاسو، وتنزانيا وباكستان. وجُمعت قرابة ألفي عينة من حليب الأم، وحُللت للكشف عن أكثر من 25 ألف مركب.
كيف تؤثر تغذية الأم في حليبها؟
توصلت الدراسة الأولى (2) إلى أن بعض مكونات حليب الأم تستجيب بوضوح للمكملات الغذائية التي تتناولها الأم، بما في ذلك بعض فيتامينات B والسيلينيوم والدهون الثلاثية، في حين لم تُظهر مكونات أخرى تغيرًا ملحوظًا.
وقال الدكتور ترينتون دايلي-شواليبوغ، المؤلف الرئيس للدراسة والباحث العلمي البارز في كلية هندسة العلوم البيولوجية بجامعة غنت، والباحث الرئيس في وكالة التدريب والبحث والخبرة الصحية لأفريقيا (AFRICSanté) في بوركينا فاسو: “تُبين هذه النتائج أن حليب الأم ليس مجرد انعكاس لما تتناوله من طعام، بل هو نظام بيولوجي منظَّم بدقة”.
وأضاف: “في الوقت نفسه، فإن معرفة مكونات الحليب التي يمكن التأثير فيها من خلال التغذية يفتح المجال لتطوير مكملات غذائية للأمهات بصورة أكثر دقة، بما يسهم في تحسين القيمة الغذائية لحليب الأم وما يوفره للرضيع من مغذيات يحتاج إليها».
وتشير نتائج الدراسة إلى أن تناول المكملات الغذائية بعد الولادة قد يحسّن محتوى حليب الأم من بعض المغذيات الدقيقة (1) التي يحتاج إليها الرضيع، ولا سيما في البيئات التي ينتشر فيها سوء تغذية الأمهات.
حليب الأم نافذة لفهم وظائف الغدة الثديية ونمو الرضيع
كشفت الدراسة الثانية (3) عن وجود أنماط جزيئية في حليب الأم ترتبط بوظائف محددة للغدة الثديية، منها إنتاج الحليب وإفرازه، وتجديد الأنسجة والحفاظ على سلامة الحاجز الظهاري، فضلًا عن وظائف المناعة وإصلاح الأنسجة. فالحفاظ على سلامة الحاجز الظهاري يعني حماية طبقة الخلايا التي تبطّن أنسجة الغدة الثديية وتساعد على تنظيم إنتاج الحليب وإفرازه، أما وظائف المناعة وإصلاح الأنسجة فتشير إلى العمليات التي تسهم في حماية أنسجة الغدة الثديية وترميمها وتجديدها. وقد كشفت الدراسة عن أنماط جزيئية في حليب الأم ترتبط بهذه الوظائف، ما يساعد الباحثين على فهم كيفية عمل الغدة الثديية أثناء الرضاعة بصورة أفضل. وتبرز هذه النتائج أهمية دراسة حليب الأم لفهم وظائف الغدة الثديية، والعلاقة بين عمليات الأيض لدى الأم ونمو الرضيع بصورة أفضل.
وقالت الدكتورة ليأت شينهاف (Liat Shenhav)، الباحثة الرئيسة في دراسة الغدة الثديية والأستاذة المساعدة في كلية غروسمان للطب بجامعة نيويورك: “يمنحنا حليب الأم وسيلة فريدة لدراسة بيولوجيا الغدة الثديية المُدرّة للحليب دون الحاجة إلى تدخل جراحي”.
وأضافت: “بدراسة الأنماط الجزيئية لدى مجموعات سكانية متنوعة، يمكننا تحديد الخصائص المشتركة لوظائف الثدي، وفهم علاقتها بعمليات الأيض لدى الأم ونمو الرضيع”.
وتفتح نتائج هذه الدراسة آفاقًا جديدة لفهم بيولوجيا الرضاعة الطبيعية، وتطوير تدخلات مستقبلية تدعم تغذية الأم، وتحسّن فهم وظائف الغدة الثديية، وتساعد على تعزيز نمو الرضيع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/مغذي_أصغر
2- https://www.science.org/doi/10.1126/science.aee7240
3- https://www.science.org/doi/10.1126/science.aee9284
المصدر الرئيس
https://umtoday.ca/stories/new-research-reveals-remarkable-complexity-human-milk



