هيفاء المنتاخ.. تقاعدت ومدرستها تتوّج بالتميز الثالث

القطيف: ليلى العوامي
قبل أيام قليلة، غادرت هيفاء سالم المنتاخ مكتبها في الثانوية الثامنة بالقطيف «المجيدية»، منهيةً مسيرتها الوظيفية بالتقاعد. لكن المدرسة التي تركتها خلفها كانت على موعد مع خبر سار؛ إذ ورد اسمها ضمن 659 مدرسة كرّمتها وزارة التعليم في الملتقى الوطني «تميز 2026»، لتسجل إنجازها الثالث على التوالي، وتمنح مديرتها المتقاعدة خاتمة استثنائية لرحلتها في القيادة المدرسية.
وكانت الثانوية الثامنة واحدة من 9 مدارس في محافظة القطيف حصدت الجائزة الوطنية للتميز المدرسي هذا العام، ضمن المدارس الحكومية والأهلية التي شملها التكريم على مستوى المملكة.
وبالنسبة إلى المنتاخ، حمل الإعلان معنى شخصياً يتجاوز شهادة التميز؛ فقد جاء تتويجاً لثلاث سنوات متتالية من العمل مع فريقها، وفي توقيت تودّع فيه المدرسة التي قادتها، وتترك مسؤولية المحافظة على الإنجاز لمن يأتي بعدها.

ثلاث سنوات على القمة
في حديثها إلى «صُبرة»، أعادت المنتاخ سر الاستمرار في التميز إلى ثقافة العمل داخل المدرسة، مؤكدة أن الإنجاز المتكرر يحتاج إلى منظومة تتجاوز جهود المديرة وحدها.
وقالت: «أؤمن أن السر لا يكمن في خلطة سحرية، بل في وضوح الرؤية، والإيمان بالهدف، والعمل بروح الفريق الواحد. وضعنا التميز ثقافة عمل وليس مجرد إنجاز عابر، وجعلنا الإتقان مسؤولية مشتركة، والتطوير ممارسة مستمرة».
وأضافت أن المدرسة حرصت على منح كل فرد دوراً واضحاً في تحقيق أهدافها، والاحتفاء بالنجاحات، وتحويل التحديات إلى فرص للتطوير.
واختصرت تجربتها بعبارة: «التميز الحقيقي لا يتحقق بالوصول إلى القمة فحسب، بل بالقدرة على البقاء عليها».

مدرسة تستمر بعد المديرة
كان اقتراب التقاعد يضع المنتاخ أمام تحدٍّ آخر، يتمثل في ضمان استمرار مستوى الأداء بعد مغادرتها.
وتقول: «كنت أؤمن أن القيادة الناجحة لا تصنع إنجازاً مرتبطاً بوجود شخص، بل تبني منظومة قادرة على الاستمرار».
ولهذا، ركزت في عامها الأخير على توزيع المسؤوليات، وتمكين الكفاءات، وتعزيز الثقة بين منسوبات المدرسة، حتى يصبح التميز جزءاً من الممارسة اليومية، بدلاً من ارتباطه بشخص المديرة.
وتضيف: «الأثر الحقيقي للقائد هو ما يبقى بعد مغادرته».

تحديات خلف الجوائز
وراء الجوائز الثلاث، واجهت المدرسة تحديات تعدد المسؤوليات، وتسارع متطلبات التطوير، ومواكبة التحولات التعليمية، مع المحافظة على جودة الأداء.
وتوضح المنتاخ أن التعامل مع هذه التحديات اعتمد على المبادرة والتعاون وإعادة النظر في الممارسات القائمة، والاستفادة من قدرات المعلمات والإداريات.
وقالت إن دورها القيادي تمثل في اكتشاف الطاقات وإتاحة الفرصة لها، وإشراك منسوبات المدرسة في صناعة القرار، وتقدير الجهود بمختلف مستوياتها.
وأضافت: «لم أكن أبحث عن فريق ينفذ المهام فحسب، بل عن فريق يؤمن بالرسالة ويشعر أن نجاح المدرسة هو نجاح لكل فرد فيه».

الطالبات أولاً
وعلى الرغم من حضور الجوائز في مسيرة الثانوية الثامنة، تؤكد المنتاخ أن المعيار الأهم للنجاح يظل ما تحققه المدرسة في شخصية الطالبة ومستقبلها.
وتقول إن العمل ركز على توفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، تجمع بين التحصيل الدراسي والرعاية التربوية، وتعزيز الثقة بالنفس والمسؤولية والطموح.
وأضافت: «التميز بالنسبة لنا لا يُقاس بالنتائج الأكاديمية وحدها، بل بما نغرسه في نفوس الطالبات من ثقة بالنفس، ومسؤولية، وطموح، وقدرة على صناعة المستقبل».

وداع بطعم الفوز
حين انتقل الحديث إلى التقاعد، حضرت مشاعر الفخر والحنين معاً في كلمات المديرة التي غادرت منصبها، بينما كانت مدرستها تستعد لإضافة جائزة جديدة إلى سجلها.
وقالت: «أقف اليوم أمام هذه المرحلة بمشاعر يصعب اختصارها في كلمات؛ فهناك فخر بما تحقق من إنجازات، وامتنان لكل من شاركني رحلة العطاء، وشيء من الحنين لمكان احتضن سنوات من العمل والذكريات والمواقف الجميلة».
وتحدثت عن زميلاتها وطالباتها وأولياء الأمور، بوصفهم شركاء في التجربة، مؤكدة أن نجاح المدرسة كان حصيلة جهود جماعية.
وأضافت: «سأغادر مقعد القيادة، لكنني سأحمل الثانوية الثامنة بالقطيف في قلبي، وستبقى ذكرى زميلاتي وطالباتي والداعم الأساسي وشريكنا الدائم ولي الأمر، وذكرياتنا الجميلة جزءاً من حكايتي».

ما يبقى بعد الرحيل
تتمنى المنتاخ أن تستمر المدرسة في حصد التميز، وأن تبقى ثقافة الاحترام والمبادرة والإبداع والتعاون حاضرة في العمل اليومي، بعد انتهاء علاقتها الوظيفية بها.
ووجّهت نصيحة إلى القيادات التربوية، دعت فيها إلى الثقة بالفرق المدرسية، والاستماع إليها، وتمكينها، والجمع بين المرونة والحزم في تحقيق الأهداف.
وقالت: «كوني قائدة تصنع الفرق، لا مديرة تكتفي بإدارة المهام».
أما عن تجربتها الشخصية، فتختصرها بأمنية أن تبقى بصمتها «في روح المكان قبل جدرانه، وفي ثقافة العمل قبل سجلات الإنجاز».
وهكذا، تزامن تقاعد هيفاء المنتاخ مع الفوز الثالث للثانوية الثامنة بالقطيف؛ ثلاث سنوات من الجوائز المتتالية، انتهت بمغادرة المديرة منصبها، وبدأ معها اختبار جديد للمدرسة: المحافظة على التميز الذي أصبح جزءاً من هويتها.
وتختم المنتاخ حديثها بعبارة تلخص علاقتها بالمهنة التي ودعتها:
«قد تنتهي سنوات الخدمة، لكن الرسالة التربوية لا تتقاعد، والأثر الجميل لا يغادر».



