دراسة تربط الفول السوداني بانخفاض الإصابة بالسكري من النوع الثاني

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي
تحذير لمن لديك حساسية من الفول السوداني، بحسب مصادر طبية
يخلط بعض الناس بين الفول السوداني وأنيميا الفول (مرض التفول) بسبب تشابه الاسمين، رغم اختلاف الحالتين تمامًا من حيث الطبيعة والأسباب. فالفول السوداني ليس من المسببات المعروفة لمرض التفول، وإن كانت بعض المصادر الطبية تشير إلى ضرورة توخي الحذر بشأن بعض الأطعمة لدى المصابين بنقص إنزيم (G6PD). ويختلف ذلك تمامًا عن حساسية الفول السوداني، التي تحدث لبعض الناس نتيجة استجابة مناعية مفرطة تجاه البروتينات الموجودة فيه. وقد تتراوح أعراضها بين حكة الفم وتورم الوجه، وصولًا إلى صدمة الحساسية، وهي تفاعل تحسسي شديد قد يهدد الحياة إذا لم يُعالج مباشرةّ (1).. ولذا يوجب على من لديه هذا الحساسية التوخي والحذر.

الدراسة
يُعدّ الفول السوداني من البقوليات الغنية بالعناصر المغذية؛ فهو يحتوي على البروتين والدهون غير المشبعة الصحية، والألياف، والفيتامينات، والمعادن. وبالرغم من تصنيفه عادةً ضمن المكسّرات، فإنه ينمو تحت سطح التربة، وينتمي إلى الفصيلة النباتية نفسها التي منها الفاصولياء والعدس.
قد تترك حفنة من الفول السوداني بصمةً مميزة في الدم، ربطها الباحثون بانخفاض احتمال الإصابة بداء السكري من النوع الثاني.
فماذا يحدث داخل الجسم بعد تناول الفول السوداني؟ إلى جانب ما يمدّنا به من بروتين وألياف ودهون صحية، يبدو أنه يُحدث تغيرات مميزة في أنواع الدهون في الدم (2). وقد وجد الباحثون ارتباطًا بين هذا النمط من الدهون وانخفاض احتمال الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، وهو ما يسلّط الضوء على جوانب جديدة من العلاقة المعقدة بين النظام الغذائي ووزن الجسم والصحة الأيضية (كيف يتعامل الجسم مع تحويل الغذاء إلى طاقة، وينظم مستويات السكر في الدم، ويضبط مستوى الدهون وضغط الدم.).
ولتقصّي هذه العلاقة، جمع الباحثون بين تجربة غذائية استمرت ثمانية أشهر وبيانات من دراسة مسحية طويلة الأمد شملت أكثر من 27 ألف شخص. وكشفت النتائج كيف يمكن لتناول الفول السوداني أن يُحدث تغيرات في أنواع معينة من الدهون الموجودة في الدم، كما أشارت إلى أن مؤشر كتلة الجسم قد يؤدي دورًا مهمًا في العلاقة بين هذه التغيرات واحتمال الإصابة بالسكري.
بالنظر إلى ما هو أبعد من فحوصات الكوليسترول التقليدية
لا تكفي فحوصات الكوليسترول التقليدية لتقديم صورة كاملة عن الدهون الموجودة في الدم وتأثيرها في صحة الجسم؛ فهي تكشف جانباً محدوداً منها فقط. لذلك، اتجه الباحثون إلى دراسة أنواع الدهون المختلفة وتحليل تركيبها ووظائفها لفهم دورها في العمليات الأيضية، وعلاقتها باحتمالات الإصابة بأمراض مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية. وهنا تبرز أهمية تقنية “الليبوديميات” (Lipidomics) (3)، وهي تقنية متقدمة تتيح تحليل الدهون بتفصيل أكثر، والكشف عن اختلاف أنواعها وفئاتها المختلفة، بما في ذلك تلك التي لا تستطيع الفحوصات التقليدية رصدها.
تاريخياً، كان يُنظر إلى الدهون المشبعة باعتبارها فئة واحدة، ويُعتقد عموماً أنها ضارة بصحة القلب. لكن الأبحاث الحديثة كشفت أن تأثيراتها الصحية تختلف باختلاف طول سلاسلها الكربونية. ومن بين هذه الدهون، تبرز الأحماض الدهنية المشبعة طويلة السلسلة جداً (VLCSFAs)، التي تتكون سلاسلها من أكثر من 20 ذرة كربون. وقد ربطت دراسات وبائية ارتفاع مستويات هذه الأحماض في الجسم بانخفاض احتمالات الإصابة بالسكري ومتلازمة الأيض (4)، ما يشير إلى اختلاف تأثيراتها الصحية عن تأثيرات الأنواع الأخرى من الدهون المشبعة.
ويُعد الفول السوداني، الذي ينتمي إلى البقوليات، مصدراً غذائياً مميزاً؛ إذ يجمع بين هذه الأحماض الدهنية والدهون الأحادية غير المشبعة المعروفة بفوائدها الصحية. ومن ثم، فإن استبدال بعض مصادر الدهون (الأطعمة) الأقل ملاءمة صحياً بالفول السوداني وغيره من المصادر(الأطعمة) الغنية بالدهون غير المشبعة قد يسهم في تحسين مستويات الدهون في الدم، وفي تقليل الالتهابات، والحد من احتمال الاصابة بأمراض القلب والأمراض الأيضية (4).
تتبّع تأثيرات الفول السوداني
تعاونت الدكتورة إينيس دومينغيز لوبيز (Dr. Inés Domínguez-López) والبروفيسور ماتياس شولتسه (Professor Matthias Schulze) من المعهد الألماني للتغذية البشرية في بوتسدام-رهبروكه، مع باحثين من جامعة برشلونة، لدراسة تأثير الفول السوداني في مجموعة واسعة من الدهون الموجودة في الجسم.
استندت الدراسة (5) في بدايتها إلى تجربة “أريستوتل” (ARISTOTLE)، وهي تجربة عشوائية منضبطة شملت 63 بالغاً من الأصحاء، تراوحت أعمارهم بين 18 و33 عاماً. وعلى مدى ستة أشهر، تناول المشاركون يومياً أحد ثلاث خيارات: 25 غراماً من الفول السوداني المحمّص بقشره، أو 32 غراماً من زبدة الفول السوداني، أو 32 غراماً من زبدة عادية تحتوي على زيت الفول السوداني، استُخدمت مجموعةً مشاركين ضابطة للمقارنة..
تتبّع الدهون بدقة متناهية
باستخدام تقنية قياس الطيف الكتلي عالي الدقة، المعروفة باسم “الليبيدوميات العميقة” (Deep Lipidomics) – ويركز على التحليل الشامل وفائق الدقة لجميع أنواع الدهون – تمكّن الفريق البحثي من رصد نمط مميز من التغيرات في دهون الدم بعد تناول الفول السوداني، وأطلق الباحثون عليه اسم «البصمة الدهنية للفول السوداني” (PeLS).
تغيّر في تركيبة دهون الدم
أدى تناول الفول السوداني إلى ارتفاع ملحوظ في مستويات أنواع معينة من الأحماض الدهنية المشبعة طويلة السلسلة جداً، ولا سيما الحمضين الدهنيين (C24:0) و(C22:0). لم تقتصر التغيرات على ارتفاع مستويات هذه الأحماض الدهنية بعد تناول الفول السوداني، بل امتدت إلى دخولها في تركيب أنواع أخرى من الدهون الموجودة في الجسم، من بينها السيراميدات (Ceramides). وتحدث هذه العملية من خلال تفاعلات حيوية تساعد فيها إنزيمات متخصصة على إطالة سلاسل الأحماض الدهنية، بما يؤدي إلى تكوين جزيئات دهنية مختلفة.
وتوضح الباحثة الرئيسة في الدراسة، الدكتورة دومينغيز لوبيز، طبيعة هذه التغيرات قائلةً: “لا يتعلق الأمر بمجرد ارتفاع طفيف في مستويات الدهون، بل بعملية معقدة يُعاد من خلالها تشكيل خريطة الدهون في الجسم”.
وبدراسة أنواع وخصائص الدهون المكوّنة لهذه البصمة المميزة المرتبطة بتناول الفول السوداني، توصلنا إلى مؤشر حيوي محتمل يساعد على فهم العلاقة بين نوعية الدهون في الغذاء والصحة الأيضية في الجسم، كما يوضح شولتز (Schulze). وبعبارة أخرى، لا تقتصر أهمية الدهون الغذائية على كميتها فحسب، بل تمتد إلى نوعيتها وتركيبها؛ إذ قد تؤثر أنواع الدهون التي نتناولها في العمليات الأيضية، بما في ذلك تنظيم مستويات السكر والدهون في الدم، ومن ثم في احتمالات الإصابة بأمراض، مثل السكري من النوع الثاني.
بعد ذلك، فحص الباحثون العينات والبيانات المسجلة ضمن دراسة “إبيك-بوتسدام” EPIC-Potsdam)) (6) وهي دراسة على مجموعة سكانية طويلة الأمد شملت أكثر من 27 ألف مشارك، وتابعت حالتهم الصحية وعاداتهم الغذائية وأنماط حياتهم على مدى سنوات، بهدف فهم العلاقة بين هذه العوامل واحتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة. وتضمنت البيانات التي اعتمد عليها الباحثون 774 حالة إصابة بالسكري من النوع الثاني، و545 حالة إصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
أين يكمن دور وزن الجسم؟
ارتبطت البصمة الدهنية المميزة لتناول الفول السوداني بانخفاض احتمال الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، لكنها لم تُظهر نفس الارتباط بأمراض القلب والأوعية الدموية. وكشف التحليل الإحصائي أن مؤشر كتلة الجسم (BMI) يفسّر جزءاً كبيراً من هذه العلاقة بين البصمة الدهنية وانخفاض احتمال الإصابة بالسكري.
وقال دومينغيز-لوبيز (Domínguez-López): “هذا يوحي بأن الآثار الإيجابية لهذه الدهون المميزة المستمدة من الفول السوداني في العملية الأيضية قد ترتبط بدورها في المساعدة على الحفاظ على وزن صحي، أو بتنظيم العمليات الأيضية المرتبطة بالسمنة والدهون.”.
ويُعد الفول السوداني خياراً ميسور التكلفة ومتاحاً على نطاق واسع، ويمكن أن يشكل إضافة عملية إلى نظام غذائي متوازن يدعم الصحة الأيضية، لا سيما أن البصمة الدهنية المميزة المرتبطة بتناوله في الدم ارتبطت بانخفاض آحتمال الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1- https://www.moh.gov.sa/awarenessplateform/healthylifestyle/pages/peanutsallergy.aspx
2- https://altibbi.com/مصطلحات-طبية/امراض-الدم/فرط-شحميات-الدم
3- https://ar.wikipedia.org/wiki/ليبيدوميات
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/متلازمة_أيضية
5- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0002916526003369?via=ihub
6- https://epic.iarc.fr/centres/germany/
المصدر الرئيس
Eating a Handful of Peanuts Could Change Your Blood in a Surprising Way, Study Finds



