العيد الفقهي والعيد الاجتماعي

محمد الشافعي
ليس الحديث هنا عن الاجتهادات الفقهية في مسألة الهلال وتصويب أحدها على الآخر، بقدر ما هو حديث عن وظائفية العيد و التوقعات الاجتماعية منه، مقابل الواقع الراهن الذي فرضته الاجتهادات الفقهية على المجتمع.
فالأعياد تمثل في كل الثقافات الدينية وغير الدينية، مواسم صيانة لهوية الجماعة وتجديد التمسك بها، والتأكيد على الضمير الجمعي وما يعبر عنه.
وممارسات الأعياد في كل الثقافات، ممارسات جماعية تحضر فيها الجماعة بوصفها الحضن الذي ينتظم فيه الأفراد، وتدفع هذه الممارسات نحو استثارة الوجدان إلى أقصاه من أجل تعزيز ذلك الشعور بالهوية والانتماء.
بسبب اختلاف الفقهاء في مبانيهم، ونزوع الفقه الشيعي نحو الفرد وتكليفه وبراءة الذمة، ورزمة من المفاهيم الفقهية التي تلزم المكلف باتباع فقيه واحد في كل تكاليفه الشرعية، وتعدد الفقهاء، أصبح العيد الفقهي الناظر إلى انتهاء تكليف الصوم وابتداء تكليف الإفطار هو المعيار التعبدي، وتتراجع أهمية وظائف العيد الاجتماعية الآنفة الذكر أو تتلاشى مقابل أولوية العيد الفقهي.
تتعدد الأعياد الفقهية بتعدد آراء الفقهاء، ليس على مستوى الجماعة الواحدة التي هي في الأساس لها عيدها الخاص عن الجماعة الكبرى، بل تتعدد الأعياد داخل الأسرة والبيت الواحد.
كل الجدل الدائر حول تعدد الأعياد يتم التعامل معه من قبل المؤسسة الدينية بوصفه خلافاً فقهياً ينبغي التعامل معه وفق الضوابط الفقهية. ويجادل العلماء وطلبة العلم بأن الخلافات الفقهية حتمية وينبغي تقبلها.
لكن الإشكالية الكبرى، هي أن الدين يحتاج إلى حاضنة اجتماعية متماسكة لينبسط فيها. وهذه الحاضنة يتم الاعتناء بها وبتماسكها -عادةً- من خلال مواسم الصيانة، التي يفرط فيها الفاعل الديني، ويسهم في تحويل الموسم “الجماعاتي” إلى عيد فردي فقهي. والمفارقة؛ أنه يقوم بذلك في وقت تهدد فيه النزعات الفردية المتصاعدة بقاء أي جماعة متماسكة من الأساس.
والإشكالية الأخرى، هي أن الأولوية الفقهية في حسم أمر العيد يسهم في توهين علاقة الفرد بالجماعة، إضعاف ثقته في مؤسستها، وإضعاف الشعور بالانتماء. والمفارقة المرتبطة بهذه الإشكالية، هي أن المؤسسة الدينية تقدم نفسها بوصفها ضمانة تماسك المجتمع وتسعى لذلك عبر مفاهيم التقليد والاقتصاد المرتبط بالحقوق الشرعية والتصدي لما تسميه الشبهات والسعي لصيانة نقاء الاعتقادات.
والسؤال الكبير، كيف توفق المؤسسة بين مساعيها في حفاظها على انتماء الأفراد في جماعة تنتظم وفق نظام مرجعيات مركزية يعتبر التقليد الحصري من مرتكزاتها، وتعتبر التدين خارج هذه العلاقة المرجعية “غير مجزئ ولا مبرئ للذمة”، وفي نفس الوقت، تقوم بخصخصة المواسم الجماعية للجماعة، وتصيّرها شؤوناً فردية ينهي بها كل فرد تكليف الصيام ويفطر منعزلاً عن أسرته في غالب الأحيان.
كل التبريرات التي تقدمها المؤسسة تبريرات فقهية تحت غطاء حرية الاجتهاد والخلاف الطبيعي الذي يعبر عن حيوية الاجتهادات. وتتناسى أن الاختلافات على مستوى البحث العلمي هي البنّاءة وليست تلك التي تمتد لتخلً بانتظام جماعةٍ تتوق إلى موسم تجتمع فيه وتشعر فيه بالمشاركة الوجدانية.
لا يبدو أن ثمة أفق قريب لحل هذا النزاع بين نسق اجتماعي وآخر فقهي، ولأن التسويات مصير كل نزاع وإن طال، فإن الرهان على حل من داخل الفقه قد يكون أشد صعوبة من حل يأتي على حساب تحرر الفرد من الجماعة التي لم تحافظ على شعوره بالانتماء لها. أقول “قد” وقد يكون للجماعة -إن صمدت- رأي آخر.



