محاضرات محرم وقرية النمل..!

هالة الشماسي
محاضرات محرم؛ كل ما قرأت عنواناً لها هذه السنة، أو سمعت عنها، أو حتى سمعتها بالكامل؛ كانت تمر بخيالي ـ كثيراً ـ صور لقرى النمل وأنفاق جحورها تحت الأرض. وكان كثيراً ما تعبر بذاكرتي نهاية فيلم الرسوم المتحركة “النملة زد”، أوantz .
ففي نهاية الفيلم يبدو كما لو أن الكاميرا تبتعد وتصور قرية النمل من بعيد أكثر فأكثر، وكل ما ابتعدت الكاميرا عنالقرية بدا جحر مملكة النمل صغيراً جداً والعالم من حوله كبير جداً..
كل الصراعات والحروب داخل جحر النمل كانت تبدو ـ بسبب تلك الصورة الأخيرة في النهاية ـ مضحكة جداً وتصيب المشاهد بهستيريا ضحك بسبب تفاهة حجمها مقارنةً بحجم العالم من حولها..
في الحقيقة؛ ذاك المشهد كان دائما يعيش معي ويتصدر مخيلة أفكاري دائماً، عندما أرى من يغور في صراعات “الأنا” في داخله وينتهي به الأمر إلى أن يعلُق في مشكلة تافهة وصغيرة مقارنةً بحجم مشاكل العالم من حوله ومشاكله الحقيقية هو..
وطبعاً؛ هذا ما حدث مع منابر الحسينيات هذه السنة، حيث كلنا شهد كيف كانت منابر عاشوراء تتكلم عن المرأة وعملها ومشكلة المحاضرين فيها مع جسدها وشعرها وكيف أن تغطيته أو عدم تغطيته ليست حرية شخصية!
والجملة الأخيرة “الحجاب ليس حرية شخصية” ليست جملة صحيحة وتدل على عدم فهم قائلها لمفهوم كلمة “حرية شخصية”.
لأن عدم ارتداء بنت مسلمة الحجاب ليس معناه إنها تنكر وجوبه الديني، ولكن معناه أنها ـ هي ايضاً ـ لديها الحق في الالتزام ذلك الواجب الديني أم لا.
الحرية الشخصية هي نفسها التي تسمح للمسلمات بارتداء الحجاب في الغرب الكافر والحرية الدينية والشخصية هي ايضاً التي سمحت لقائل تلك العبارة “الحجاب ليس حرية شخصية” أن يلبس عمامته ويجلس على المنبر ويخطب في الملأ ويتكلم بما قد يخالف غيره.
وغريب ان يسمح ذلك الخطيب لنفسه بممارسة مبدأ الحرية الشخصية وفي نفس الوقت يستنكره على غيره.
محاضرات وخطب امتلأت بخوف وتحذير من كل ما قد تلمسه يد المرأة تحت مفهوم المساواة بين الجنسين والحرية الشخصية.
وكأن الكون قد خلا فعلاً من كل المشاكل والمصائب ولم تبقَ إلا المرأة وحريتها لتعكر مزاجنا وتخرب صفو حياة البشر..
على الرغم من أن توقيت كل تلك الخطابات والمحاضرات كان في نفس توقيت حرائق الغابات في اليونان وتركيا وتونس والجزائر وفي كثير من مناطق العالم..
ومن أهم أسباب تلك الحرائق هو الاحتباس الحراري في الكرة الأرضية، فمنذ منتصف القرن الماضي ونسبة الكربون المنطلقة في الجو ترتفع مسببة ارتفاعاً نسبياً في درجات الحرارة المئوية للكرة الأرضية، وهو ما أسفر عنه ذوبان الجليد في القطبين وأفضى إلى إزدياد خطر غرق المدن الساحلية، نظراً لارتفاع منسوب المياه، وايضاً قد يتسبب ذلك الاحتباس الحراري في ارتفاع في معدل الانقراض الحالي للكائنات الحية، وأخيراً وليس آخراً يبدو الجنس البشري ـ نفسه ـ على شفا حفرة من الهلاك.
إذن القيامة تبدو قادمة ونهاية جنسكم البشري قريبة، ولكن ليس بسبب رؤوس نسائكم الحاسرة ووجوههم السافرة، بل بسبب انشغال البشر بالاستفادة من مدخرات الأرض وعدم الاهتمام بحمايتها.
لم يكن الانقراض البشري الموضوع الوحيد الذي لم يوله خطباؤنا أي مساحة من محاضراتهم، على الرغم من امكانيتهم المساهمة في معالجتها، وذلك بحث المستمعين على محاربة الاحتباس ولو بزرع نبتة واحدة في فناء منازلهم فكل نبتة تساهم في منع تصاعد غاز الكربون.
أيضاً كانت هناك مشاكل محلية كثيرة كان من الممكن ان يلتفتوا إليها في محاولة لعلاجها مثل:
العنف الأُسري، العنف ضد الزوجة، العنف ضد الأطفال، حيث الإحصاءات توضح إنها مشكلة حقيقية وموجودة لدينا بقوة.
ومن المشاكل التي تستطيع فعلاً المنابر الدينية المشاركة في معالجتها ايضاً وحث الناس على التضامن من أجل حلها هي مشكلة هلاك الكثير من الحيوانات في منطقتنا خلال الصيف بسبب الحر والعطش.
وطبعاً المشاكل التي تستطيع المنابر الدينية تغطيتها والمساعدة في حلها كثيرة وقد لا يكفي مقال واحد لتعديدها..
وعلى الرغم من كثرتها فإن أغلب منابرنا الثقافية لم تتسع لها، بل اتسعت الى الحديث عن المرأة ومعضلة رأسها المكشوف وصوتها المُغري..
والمفارقة هنا أن يكون توقيت كل تلك الخطب عن جدليات حرية المرأة وحقوقها واستحالة مساواتها بالذكور بعد فترة قصيرة من حصول المرأة السعودية على الكثير من حقوقها تحت رعاية الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله.
حيث يبدو أن منابرنا هذه السنة نالت حظها من قانون نيوتن الذي يقول: لكل فعل له ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه.
وردة الفعل “الفزع الذكوري” التي حصلت تحدث عادةً في المجتمعات الذكورية بعد أن تحصل فيها المرأة على بعض من حقوقها الإنسانية التي كانت بيد الذكور.
ولكن حتى لو كانت هناك قوانين للفيزياء تحكمنا، فنحن أيضاً لنا عقول تفكر وعلينا مسؤولية ناحية الأجيال القادمة ألا نثقلهم بمشاكل تقاعسنا نحن عن حلها وانشغالنا عنها بصراعاتنا الجندرية وأُطُرها الاجتماعية.
لا يبدو من الصواب ان نترك العنان لنحيب الأنا في داخلنا وبكائها على خساراتها، والا غصنا أكثر في جحر النمل.
اقرأ أيضاً



