إن كنت محظوظاً؛ سيكون لديك أخ «نشمي» اسمه ماجد السمر

في يوم دراسي عادي، حافل بالحصص والدروس؛ فوجئت إدارة مدرسة مؤتة المتوسطة في القطيف، بموسى آل جميع يطرق باب المدير.
آل جميع معلم أيضاً، لكن في مدرسة ربعي بن عامر المتوسطة. قصد «مؤتة» ليكرم ماجد محمد السمر، الطالب في الصف الأول المتوسط، بعدما لاحظ آل جميع تحسن المستوى الدراسي لطالب يدرسه، بفضل جهود بذلها ماجد، فقرر أن يكرمه في مدرسته، بين معلميه وزملائه الطلاب.
الطالب الذي تحسن مستواه هو سعيد، شقيق ماجد، الذي يُصنف ضمن الأشخاص ذوي الإعاقة.
ما القصة؟ هل بالغنا حين كتبنا في العنوان «إن كنتم محظوظين؛ سيكون لديكم أخ «نشمي اسمه ماجد السمر»؟
الزميلة ليلى العوامي تقدم لكم الحكاية:
القطيف: ليلى العوامي
تفصل بينهما ثلاث سنوات، دراسياً؛ سنة واحدة. تلقيا تربية من أب وأم، تفيض محبة وتلاحماً. لم يشعر أحدهما، رغم فارق السن، أنه بعيد عن الآخر، فجسدا أسمى معاني الأخوة.
ماجد السمر، طالب في الصف الأول المتوسط (موهبة) في مدرسة «مؤتة»، أخوه سعيد يدرس في الصف الثاني المتوسط (تربية خاصة)، يقدمان نموذجاً في التلاحم الأخويَّ.
الأم تسرد الحكاية لـ«صُبرة»
تقول «منذ كان ماجد في عامه الثالث؛ بدأ يشعر أن أخوه مختلف. كان يلعب معه حسب قدراته، يعاونه إذا شعر أنه لا يستطيع أن يقوم بأي حركة. تعلم سعيد الكثير من ماجد، الذي يصغره سناً».
تقر الأم «نحن (أبوه وانا)؛ كنا بداية نعامل سعيد باعتباره من ذوي الإعاقة. لم نكن نملك معرفة كافية بالتعامل مع مثل هذه الحالة. بدأنا نتعلم كل شيء حول حالته منذ اكتشفنا وضعه، وكنا نعلمها ماجد، حتى يعرف كيف يتعامل مع أخيه. الآن صار هو يبحث ويتعلم أكثر وأكثر. ورغم صغر سنه؛ هو رجل، وسند لأخيه».
أبو سعيد وأمه سخرا كل وقتهما لسعيد بداية «فهو بحاجة لمن يكون بجانبه»، تقول الأم، مضيفة «تعلمنا أشياء لم نكن نعرفها، ولازلنا نتعلم، وكذلك بعدما رزقت بماجد، أصبحا كل دنيايّ. سعيد – ما شاء الله عليه – يتقبل التعلم، ومن حبه لأخيه؛ يحب أن يتعلم أي شيء كأخيه، لذلك هما يتبادلان المعلومات. وهذا شيء جميل جداً بينهما، فنشأ ماجد على محبة أخيه، ومساعدته. لا يخرجا من البيت إلا سويةً».
0مدرسة ربعي بن عامر.. حيث يدرس سعيد السمر (صورة أرشيفية)
عن ماجد الابن
تضيف «ولد محبوب في العائلة منذ صغره. كل أطفال العائلة الذين ولدوا بعده تعلقوا به، رغم صغر سنه، لأنه قريب من الجميع، يجيد التعامل مع الأطفال، والكبار أيضاً. وأنا لكوني أمه، وقريبة منه؛ لاحظت أنه حنون جداً، ولمست هذا الشيء تجاهي. – مثلاً – حينما يلمح التعب بادياً على وجهي؛ يقول «خلي كل شيء؛ أنا أقوم به، وأنتِ ارتاحي».. كذلك يحب مساعدة أبيه، يقول له: «أي شيء تحتاجه؛ أنا أجيبه لك. أنت فقط ارتاح»، وهذا الأمر منذ كان صغيراً، فعلاقاته بمن حوله جميلة جداً، متعاون، مهذب، متحدث جيد، مستمع جيد أيضاً، عطوف، يحب المساعدة، وكما نقول في لهجتنا «نشمي».
..وعن ماجد الطالب
ماجد، مجتهداً، يحب الدراسة، والقراءة والاطلاع منذ نعومة أظفاره، عنده عدد كبير من الكتب القصصية. ومنذ كان عمره ثلاث سنوات؛ كان أبواه يوفران له كل أنواع القصص. كانت أمه تقص عليه وأخيه القصص، وكذلك والدهما، الذي يجلس معهم، ينصتون له، وهو يروي لهما قصصاً من القرآن الكريم، وأيضاً حكايات الزمن الجميل.
بدأ ماجد يتعلم القراءة، والكتابة منذ كان في الثالثة. أدخلته أمه وقتها الروضة، وحينما أتقن القراءة؛ أصبح يقرأ القصص لأخيه، وأي معلومة يتعلمها؛ ينقلها لأخيه. تكمل أمه «الآن؛ الحمد لله أصبح يقتني كتباً علمية، وموسوعات، ويشارك أخوه كل معلومة يتعلمها».
1ماجد يتابع مع شقيقه سعيد تحصيله الدراسي.
وقت راحته لأخيه
هيأ والدهما المكان المناسب لدراستهما. حين يعودان من المدرسة، ويتناولان وجبة الغذاء، يستأنفان المذاكرة، وحل الواجبات، تحت إشراف أمهما، التي تتابع بالقول «يُنهي ماجد مذاكرته، ويحضر دروس اليوم التالي، وإذا أخذ وقتاً للراحة؛ يخصصه لأخيه سعيد».
تضيف «في البداية؛ كنت أنا من يذاكر لهما. وبعدما كبر ماجد، وصار يعتمد على نفسه؛ أحياناً يذاكر هو لأخيه قبل نفسه، وبعدها يُذاكر لنفسه. ويقول ليّ «خليه؛ أنا أذاكر له. أنا أراجع له».. وما شاء الله سعيد تقبل الموضوع، ويرتاح في المذاكرة مع أخيه، حتى لو راجعت أنا له؛ فلا بد أن يعطيه ماجد من وقته، ويراجع له كذلك».
2مدرسة مؤتة المتوسطة في القطيف.. هنا يدرس ماجد السمر.
في عام «مدرستي»
العام الماضي كانت الدراسة عبر منصة «مدرستي». كان سعيد في الصف الأول المتوسط. وماجد في الصف السادس. كانا يجلسان من النوم باكراً، فيلازم ماجد أخيه في المنصة مع الاستاذ موسى آل جميع، ويتابع تعليمات المعلم، ويساعده في كل صغيرة وكبيرة أثناء الحصص، ويسهل لأخيه التعامل مع الحاسب الآلي، إلى أن ينتهي من دوامه. وبعدها يتناولا وجبة الغذاء. ويبدأ ماجد منصتهـ كونه في آخر سنة في الابتدائية، ويبدأ يوم الدراسي في الثالثة عصراً. تقول أمهما «الحمد لله؛ فبفضله وجهودهما؛ أصبح تحصيلهما الدراسي ممتازاً».
جُلَ وقت ماجد مُخصص لأخيه سعيد، ما عدا وقت الدوام الدراسي. حالياً؛ وبحكم عودة الدراسة حضورياً؛ أصبح ماجد ظلاً لأخيه سعيد.
3كل وقت ماجد مخصص لأخيه سعيد.
سعيد وماجد ووالدهما.. علاقة مختلفة
ماجد لازال في سن النمو، حاله كحال أي ولد يتعلم؛ فإذا استصعب شيئاً يلجأ لأمه أو أبيه. تقول «الحمد لله؛ هو يملك حسن التصرف بتوجيهات والده له، فعلاقتهما بأبيهما تجاوزت النمط التقليدي، هم مثل الاخوة، أو الأصدقاء. لديهم سوالفهم الخاصة، هو يشاركهما اللعب، ولحظات المرح، يرافقهما في غالبية أوقاتهم».
حتى أمهما تقول «أحيانا؛ أشعر أنهما ولدايّ، وحيناً اخوتيّ، ومرات نتعامل مثل الأصدقاء. وفي نهاية كل أسبوع؛ نقضي كل وقتنا مع بعضنا، ونتشارك كل الأمور».
تضيف «الاثنان – حفظهما الله – يحظيان من والدهما ومنيّ بنفس المعاملة والعطاء».
تكمل «الحمد لله على جميل عطاياه، وربي يحفظ لنا هذان النجمان اللذان أضاء لنا حياتنا، ويخليهما لأبيهما وليّ سنداً، ويبلغنا ويقر عيوننا فيهما. الحمد لله، وبشهادة جميع من حولنا، وحتى في مدارسهما؛ لم نشعر سعيد أنه أقل من أخيه، أو أنه من ذوي الإعاقة، وأخوه طبيعي. وانعكس هذا الأمر على معاملة ماجد لسعيد. الله يحرس أعمارهما، ويحفظهما».
قبل أن تختتم أم سعيد حديثها؛ أصرت على أن تقدم عبر «صُبرة» «الشكر الجزيل إلى المعلم موسى آل جميع، معلم سعيد في المرحلة المتوسطة».
المعلم موسى آل جميع مع سعيد السمر.
موقف إنساني نادر
لماذا تخص أم سعيد، معلم ابنها بوافر الشكر؟ ما الذي قدمه هذا الموسى لابنها لتشعر أنها ممتنة له؟
الموجه الطلابي في متوسطة مؤتة؛ السيد حسين آل شيبان، حيث يدرس ماجد، يكشف السبب.
يقول «موقف ماجد مع أخيه سعيد إنساني نادر، تتجلى فيه أسمى معاني الأخوة والصداقة الخالصة، والمعاونة الدائمة، فماجد عاهد نفسه أن يقف مع شقيقة سعيد في رحلته التعليمية، ما انعكس على ارتقاء مستواه التحصيلي والدراسي».
يضيف «تجلى ذلك لمعلمه موسى آل جميع، في مدرسة ربعي بن عامر، الذي لاحظ تحسن مستوى سعيد، فسأله عن السبب؟ أجابه «أخي ماجد يتابع معي يومياً». فتعنّى المعلم موسى بنفسه إلى مدرستنا، ليقدم التحية والإكرام والشكر والتكريم للطالب المتميز بأخلاقه ماجد، أمام معلميه وزملائه، بحضور مدير المدرسة».
استدرك بالقول إن «ماجد رغم التزامه متابعة أخيه؛ إلا أن ذلك لم يؤثر على جهوده ومتابعته، فلم يقصر في يوم من الأيام، في الواجبات والامتحانات».
انتهت الحكاية؟ لا؛ لم تنته. ما يزال ماجد وسعيد يكتبان بقية فصولها..



