أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أيها العالِم.. أنت مسؤول عن رقبتك.. فدع رقاب الناس

محرر صُبرةالأحد 21 أغسطس 2022، 1:25 م
أيها العالِم.. أنت مسؤول عن رقبتك.. فدع رقاب الناس

محمد آل يوسف

ما يحدث في سوحِ الوغَى الاجتماعيةِ مِن اقتتالٍ واحترابٍ على كَومةٍ مِن الأفكارِ ما هُو إلَّا استنساخٌ جينِيٌّ توارثتهُ الأجيالُ دونَ وعيٍ أو إدراكٍ ، ولو تَتبعنَا الحدَثين اللذين مَرَّا أمامنا خِلالَ شهرٍ مضَى سَوفَ نُدركُ معنى توريثِ الجيناتِ، فمصيرُ أيِّ صوتٍ يُغرِّد في سربٍ يتيمٍ غيرَ سربِ الجماعةِ ـ سواءً كانَ مُحِقًّا أو مُجانبًا للصوابِ ـ هو أن يُرمى في حاويةِ التَّراشُقِ والتعنيفِ، وإن شئنا تغييرَ المصطلحاتِ فإننا سنُطلقُ عليهِ اسمَ التَّنمُّرِ الاجتماعيِّ وإذا لم تُعجِبنا تلكَ التسميةُ فالرِّهابُ الاجتماعيُّ هو اسمُهُ القديمُ.

وتتضحُ معالِمُ الوِراثةِ فِي كَمِّ الأشخاصِ الَّذينَ يُهاجمونَ شخصَ المُنتقِد لفِكرةٍ أو عُنوانٍ يحملُ رَمزيةً مقدسةً، فَلا يسلَم شخصُه ولا عَائِلتهُ مِنَ القذفِ والتَّشنيعِ والتتبُّعِ لِماضيهِ وحاضرِهِ، وقد يتطورُ الأمرُ للبحثِ عن زَلَّاتِهِ وأغلاطِهِ، وهَكذا بالضَّبطِ تَتِمُّ عمليةُ التوريثِ الجِينيِّ ويتسَامرُ الضَّحاكونَ مُستبشِرينَ فَرحين بِكمِّهم وعَددهِم نَيْلًا ونِكَايةً بِكُلِّ مَن يُحاوِلُ أَن يَلمِسَ طرَفَ عِلمٍ للأَصنامِ العَنكبوتِية الهَشَّة.

تأطيرُ الحَالةِ النَّقدِيَّةِ

إنَّ المُوَرِّثينَ لِجِينَاتِهم يَسعَونَ لِتأطِيرِ الحَالةِ النَّقدِيَّةِ بالقَولِ:

إَنَّ حقَّ النَّقدِ حَصرٌ لِمن يَمتَلِكُ كِتَابًا أَو إِنتَاجًا مَعرِفِيًّا كَرسالَةٍ بَحثيَّةٍ فِي عِلمٍ مَا أو أن يكون قارئًا ومطلِعًا فيما ينقُدُهُ وذَلكَ أضعفُ الإِيمان، ومِن تِلكَ البَوابةِ يُغلِقُونَ الطَّريقَ عَلى عَوامِّ النَّاسِ أَن يكُونُوا نَاقِدينَ لِلأفكارِ ويُلجِمُون أيَّ صَوتٍ خارجَ هَذا الإِطارِ البَالِي المتهتكِ وكأنَّهُم يَرُدُّونَ عَلى الرَّبِّ جَلَّ وعَلا حِينَ فتحَ البَابَ لِعِبادهِ وقالَ لهُم : تَفكَّرُوا واسألُوا وَشكِّكُوا فِي كُلِّ الأشياءِ حَتَّى يَأتِيَكُمُ اليَقينُ المُطلقُ.

إِنَّ ذلكَ التَّوريثَ فِي واقعِ الأمرِ مَنشَؤُه حَالةُ العجزِ عنَ المُواجهةِ أو الرُّكونُ للراحةِ أَو كمَا يقولُ المثل الشعبِيُّ الدَّارجُ: (افلتها برقبة عالم واطلع منها سالم) حَنانيكَ أيُّها العَالِمُ، فأنت مسؤولٌ عن رَقبتِكَ فدع رِقابَ الناسِ وانسلخ مِنهَا واتركهُم في مواجهَاتِهِم معَ تَفكيرِهِمُ النّاقد وبِهذَا نكونُ (استبينا) وَلا دَاعِي بأن يَصمُت صَوتُ العقلِ حينَ يتنَمَّرُ المتنمرونَ عَلى انتقادِ إحداهُنَّ لِخرافاتِ المَنابرِ الوعظيَّةِ أَو تَنبرِي أَقلامُ حُثالاتِ المُجتمعٍ فِي جَلدٍ مَن أعلنَت انسِلَاخَها عن دِينِ مُحمَّدٍ عليه أفضل الصلاة والسلامِ ، فهذَا الدِّينُ فاتحٌ ذِراعيهِ للجَميعِ وَمُرحبٌ بِمن شَاءَ أن يُؤمِنَ بِه رحيمٌ بِمن أَعرضَ عَنه.

باتَ من الواجبِ التوضيحُ أنَّ توريثَ الجيناتِ ملقًى على فِراشِ الاحتِضارِ وقد أصبحَ عاجِزًا عن سردِ وَصَاياهُ تِجاهَ أَبنائِهِ، فلا هو قادِرٌ على نُصحِهم بالاتِّحادِ لِكسرِ رُزمَةِ العِصِيِّ المتماسكةِ، ولا هُو قادر على ترميمِ أعصابِه الَّتي أكَلها التَّلفُ، وقَد جاءتِ البُشرَى مُؤكّدةً بِالأقسَامِ الثَّلاثَةِ ، واللهِ وتاللهِ وباللهِ إِنَّ هَذا الوَطَنَ ماضٍ قُدُمًا في استثمَارِ البَشرِ وتَكريمِهِم بإدخَالِ التَّفكيرِ النَّاقدِ كَمادًّة أَسَاسِيَّةٍ في العُلومِ الَّتي تَجعلُ الإِنسانَ السُّعودِيَّ حُرًّا طَليقَا نَاقِدًا متبوعًا لا تابعًا دُون أن يَكُونَ مُؤلِّفًا.

فيا معاشِرَ المُوَرِّثِينَ إنَّ جينَاتِنَا لَيست مِلكَنا، فلِم نُورِّثُهَا لأجيالِ الحاضِرِ والمُستقبل؟

استعدوا لإيقاف سلسةِ التَّوريثِ لِأنَّها بَاتت على شَفَا حُفرةٍ مِنَ الاندثارِ، وسيطوِيهَا الزَّمانُ لِتكونَ فِي حُكمِ النِّسيان.