نعم لوضع قواعد جديدة في سياسات التعليم

حبيب محمود
غيابٌ واضح، حضور واضحٌ.. قد يبدو هذا المشهد المختلط سيّداً في مدارس المملكة هذا اليوم. هذه السيادة سبقها تحرّك إلكتروني واسع النطاق حضنته وسائط التواصل الناشطة في بلادنا. بدا الأمر؛ وكأنه قرارٌ “اجتماعي” مُبيَّتٌ منذ الأسبوع الأخير من شهر رمضان المبارك؛ وحين آنَ وقت عودة الطلاب، بعد العيد.. نامت أمّهات.. واستيقظت أمّهات..!
(2)
ليس بيد أيّ منّا أن يخمّن نسَب الحضور أو الغياب. إلا أن من الواضح؛ أن جّدية بعض مدراء المدارس ومديراتها في حسم الدرجات؛ حقّقت مفعولاً ما؛ في تليين حسابات آباء وأمّهات. ومع ذلك؛ يمكن تكرار القول بأن ليس بيد أيّ منا أن يجزم بأن أمّهاتٍ وآباءً حافظوا على “خشونة” قرارهم المبيّت..!
(3)
يمكن القول إن “توقّعات” أول يوم بعد العيد كانت أعلى من “الواقع” الملموس في مقاعد الفصول. هناك لغة ليّنة بثتها وزارة التعليم في الأيام الأخيرة. هذه اللغة خلت من “الوعيد” بحسم الدرجات، والتذكير بلائحة السلوك والمواظبة، وجنحت إلى سِلمٍ لغويّ ودود؛ قدّم “الجزرة” على ما سواها..!
(4)
ومن المؤكد أن أكثر ما كان يتحاشاه القائمون على تنفيذ سياسات التعليم في بلادنا؛ هو بروز حلبة مواجهة بين الوزارة وبين المجتمع. وهو أيضاً ما كان يتحاشاه الآباء والأمّهات. كلا الحيين ـ في الوزارة والبيوت ـ ينصرُ مُدّعياً واحداً وحيداً: الطالب.
الآباء والأمّهات يبنون مستقبل أبنائهم وبناتهم، والوزارة تبني وطناً. وأساس البناء عند البنّائين؛ هو الطالب نفسه.. ابني وابنتي، وابنك وابنتك، وابنها وابنتها، وابنه وابنتها..!
وعليه؛ كان من غير “المقبول” أن يتشكّل الرأي العام من مفردات “مواجهة” بين المربّين في المنازل والمدارس..!
(5)
ومع ذلك؛ غاب الطلاب في الأسبوع الأخير من شهر رمضان المبارك، وتقمّصت الحالة ـ أو ربما الظاهرة ـ أزياءً متباينة.. هناك “تذمر” تخالط و “تفكّه”. هناك من عبّر عن إحساسه بـ “ثقل” الأسبوع الأخير، إلى جانب من عامل الأسبوع نفسه وكأنه نزهة إلكترونية للضحك والمرح.. وتبديد الجدية..!
(6)
وهناك من عدّد أسبابه؛ وشرح إجهاده. وهناك من كرّر تأفّفه من الفصول الثلاثة، وهناك من تذرّع بالصوم، وهناك من برّر لجداول الأمّهات المزدحمة بالواجبات، وهناك من “طقطق” على وتر “النكتة”، أو مرّر مقطع الفيديو “المدبلج”. وهناك من اخترع “وزارة أمّهات”..
واقع الأمر كان هناك سيلٌ عارمٌ يكاد لا يحمل إلا رسالة واحدة: لقد تعبنا..!
(7)
وهذا هو زر الجرس الذي تتابعت عليه أصابع الأمهات والآباء في جوالاتهم بلا توقف. وفي عالم التواصل الاجتماعي؛ الجرس متاح لكل من يحمل جوالاً، ونحن في بلدٍ ـ والله الحمد ـ حاملو الجوالات يُضارعون عدد السكان، إلا إذا استثنينا الرُّضّع..!
وحصيلة ضجيج الأجراس التي أخذت تقرّع وتقرع طيلة الأسابيع الماضية؛ مفيدة جداً للقائمين على تنفيذ سياسات التعليم، فالقصة ليست في الفصول الثلاثة وحدها، ولا في عدد أيام الدراسة في العام. هناك دول تتفوّق علينا في ذلك. وهناك شعوب في العالم الأول والثاني والثالث تدرسُ أغلب شهور السنة.
والقصة ليست في فواصل الإجازات القصيرة التي نسمّي بعضها “مطوّلة”. وليست في طبيعة شهر رمضان الصائمة. وليست في المناهج. وليست في المعلمين واختباراتهم الجديدة. وليست في الأمّهات المنهكات.
القصة في كلّ ذلك مجتمعاً، كـ “بكج” مرهق، للطالب، والمعلم، والأب، والأم.. جميعهم..!
(8)
حسناً؛ فلنضع بعض “المفاهيم” الأساسية في “العملية التعليمية” على طاولة الحوار. وهي “عملية” و “تعليمية” لأنها سلوكٌ تكرّس طابعه الجديد، منذ بداية جائحة كورونا بالذات. وفرض هذا الطابع نفسه، لتتطوّر العلاقة بين “البيت” و “المدرسة” إلى مستويات أنهكت العلاقة نفسها.
جاء التعليم “عن بُعد” ليحلّ محل التعليم “الحضوري” في زمن الجائحة. وبالتدرُّج أصبحت الساعات الـ 24 فصلاً دراسياً مستمرّاً، وبنظام 7/7 أيضاً.
الطالب يصحو صباحاً، ويعود من المدرسة ظهراً، ويُبقي انتباهه حاضراً لـ “قروبات” المدرسة، بقية اليوم..!
قد يأتيه “واجب” في الثامنة مساءً. لالا، بل هناك معلمون يُرسلون واجباتٍ مدرسية بعد الثانية من منتصف ليل الجمعة..!
ولنا أن نتخيّل أمّاً مسؤولة عن “سلة قروبات”، لكل واحدة من بناتها…! وأباً يراجع مثل ذلك لكل واحدٍ من أبنائه…! ومعلّماً “مربوطاً” بمجموعات متشعبة لفصول متعددة في مدرسته..! وإدارة مدرسة تبثّ رسائلها على مدار الأسبوع..!
إنه استنزاف متواصل، لا يرحم، وعبءٌ لا يجد الآباء والأمّهات منه فكاكاً ولا راحة. فما بالنا بالطلاب والطالبات أيضاً..؟
(9)
واقع “العملية التعليمية” ـ اليوم ـ في حاجة جادة إلى إعادة نظر من زوايا متشابكة، وعلى أساس فهم “التكامل” بين البيت والمدرسة، لا الإبقاء على “التخالط” بين شريكي التربية والتعليم. هناك فواصل يجب أن تكون واضحة للمعلمين والمربّين، وحدود يجب أن تُكرّس بين مؤسسة الأسرة ومؤسسة المدرسة، حتى لا تُستنزف الجهود، وتُستهلك الطاقات، وتتحوّل “العملية التعليمية” إلى واقع مُنهك من التشتُّت..!
اللهمّ إني بلغت.. اللهم فاشهد.



