أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

حبٌّ ممنوع.. فزواجٌ مرفوض.. فوقع سيف الأنيميا

أملالثلاثاء 28 مايو 2024، 10:27 ص
حبٌّ ممنوع.. فزواجٌ مرفوض.. فوقع سيف الأنيميا

القطيف: معصومة المقرقش

كأي عاشقين كانا ينظران إلى كل شيء، صغيراً كان أم كبيراً، بمنظار العشق الذي يشتعل في قلبيهما، ويؤثر في رؤيتهما وقراراتهما.

وهكذا هو الحب إن تمكن من قلب، ويشتد أثره في الشباب، فيهبهم قوة لتحدي العالم في سبيل بقائه إن قوبل برفض.

وفي الرسالة التالية تسرد صاحبة القصة كيف تسلل الحب إلى الدماء الهلالية فجرى معها وتوهج، وكيف قاتلت هي وحبيبها لينتصر حبهما ويتوج بزفاف أشرقت له الروح، فلما خفت صوت المعارضين استفاق العاشقان على آلام لا تحتمل، وبدأ الحب ينسحب من ثقوب وخز الإبر في الأوردة الصغيرة.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الرسالة تختلف كثيراً عن الرسائل الأخرى، فهي تحمل بين حروفها وجعاً كبيراً تقاسمه زوجان عاشقان، تشاطرا ألم مرض واحد وقهر واحد، وإن استحوذ الزوج على نصيب الأسد من القهر والوجع.

تقول الزوجة

بدأت القصة من دقات القلب المتسارعة كلما لاح اسم الحبيب أو طيفه، وتطورت إلى حب سرعان ما وصل حد العشق والشغف، لكنه “عشق ممنوع” في قوانين الصحة والأهل والأصدقاء وكل العقلاء، كوننا حاملين للمرض الوراثي “الأنيميا المنجلية”، رغم أننا لا نرتبط بأي علاقة نسب لا من قريبٍ ولا من بعيد، لكنه القدر.

ورغم كل التحذيرات التي وُجهت لنا، إلا أننا أصرينا على الزواج، فكان يردد على مسامع الناصحين: من ستقبل وتتحمل آلامي وتعبي إذا عاودتني نوباتي؟؟، من ستسهر على راحتي غير من تشاطرني ذات الألم وتقاسمني الوجع؟؟. وبعد صولات وجولات وزعل شديد خيّم على المقربين من الأهل انتهى الأمر بالسماح لنا بالزواج تحت كامل مسؤوليتنا، واتفقنا على عدم الإنجاب في كل الأحوال.

سعادة رغم الوجع

كان زواجنا محفوفاً بالمخاطر من جميع جهاته وإن بدا وردياً من بعض جوانبه، في البداية كنا نتشاطر النوبات معاً ونتألم بفرحٍ ولذة ونضحك، كانت السعادة تغمر قلبينا رغم الوجع، لكننا ضربنا حولنا جداراً من العزلة خاصة حين تهجم نوبة السكلسل على كلينا في الوقت نفسه فنبكي من الوجع ونخاف من طلب المساعدة، ونخفي الدموع حتى لا يرى أحد انكسارنا ووحدتنا، وننوّم في ذات المشفى ونخرج معاً نحتفل بالانتصار على المرض، بالورود، والمزيد من الوعود أن نبقى معاً.

أتهربين ..؟

بعد مضي فترة على زواجنا بدأ البرود يدخل بيننا، كان بروداً لا يطاق، على الأقل من جهتي؛ فأنا لم أعد أنا وهو لم يعد هو، حتى ألم نوبات أوجاعه لم أعد أشاطرها معه، فعندما يتصل بي ليخبرني أنه يتألم يأتيه صوت خارج من فم مجهول :” تلحف زين وخذ مسكن ألم”، وأعود من العمل مساءً مرهقة ألقي بجسمي المثقل بالأوجاع على فراشي مستسلمةً للنوم حتى صباح اليوم التالي.

واستمر هذا الروتين اليومي، ولكنه بقي على عهده فما إن تصيبني نوبة ألم، وإن كانت خفيفة، حتى يفزع ويهرع بي إلى المستشفى، ويظل ممرضاً ليّ إلى أن أشفى تماماً، ثم يحتفل بالورد والوعد؛ ومع ذلك أصبحت أقابل كل هذا الاهتمام بجفاءٍ تام، إلى أن جاء يوماً تكلم بكلامٍ لم أتعوده منه، وربما لم أتوقعه قائلاً: أتهربين من مشاعري؟، أيزعجك اهتمامي بك؟!، وكأنه قرأ شيئاً داخلي كنت أحاول أن أخفيه عني وعنه، فلم أجد من بين مفرداتي الضائعة أيّ إجابةٍ، فهربتُ مجدداً من عينيه نحو عملي، تزامن ذلك مع نوبة ألم صارعها لوحده، وحين اشتد عليه الأمر استغاث بأخيه.

نخاف أن نقترب.. لأننا أموات

أصبح زوجي طريح فراش المستشفى بعد مضاعفات هذه النوبة، كنتُ خلالها أعيد ترتيب أفكاري، وأسيطر على انفعالاتي التي بدأت تظهر مؤخراً، زرته عدة مرات في المستشفى حتى خرج.

لكنه خرج شخص آخر، مختلف جداً عمن دخل إلى المستشفى، يتجنب النظر إليّ ومعاتبتي، وأصبح مثلي يهرب من البيت بالتشاغل بالأعمال مرات ولقاء الأصدقاء مرات أخرى، وفي لحظة فلتت من عقالها قلت له: إن حياتنا أصبحت تشبه مرضنا تماماً، شاحبة كوجوهنا، باردة جداً كبرودة أطرافنا، متعِبة كآلامنا المزمنة، وقاسية لا مستقبل لها، حتى منزلنا لا فرق بينه وبين أروقة المستشفيات، كئيب وجامد لا حراك فيه، فما نحن إلا بشر نخاف من برد الشتاء وحر الصيف ومن الطعام المختلط بالبقوليات والمكسرات، ومن حرارة أنفاس أطفال الآخرين ورشحهم، نخاف من السفر ومن ركوب البحر، حتى من مشاعر الأمومة والأبوة نخاف أن نقترب..!، نخاف من كل شيء لأننا أموات.

وقع السيف

جاءت كلماتي الأخيرة قاسية جداً فوقعت كالسيف على رأسه وخرج عن صمته ثائراً يصرخ في الفضاءِ مردداً: ما مصير من تحدى الصحة والأهل والأصدقاء لأجلكِ؟ أتريدين الطلاق مني؟!!

هربتُ من موجة انفجاره، وانكسار روحه، لا ألوذ بشيءٍ، ولا أعرف إلى أين أتجه، ولا عن السبب الذي جعلني أهذي بما قلته له، ولا عن وصولي لهذه المرحلة من اليأس والغضب وجلد الذات، “ما أقسى قلبي” كلمات رددتها بأعلى صوتي، حاملةً أوجاعه على كتفي، وسأظل كذلك، إلى آخر نفس في حياتي.

همسة

إلى كل شاب وشابة مقبلين على الحياة، خذوا من قصتنا ما يرفع من وعيكم بأنفسكم، لا تستسلموا لرغبات اللحظة الزائلة، كلنا بحاجة إلى السند العائلي فلا تقطعوا علاقتكم بالأهل والأصدقاء، فربما كانوا هم المستراح في خضم أمواج الحياة المتلاطمة.

فعندما نجد زوجين سعيدين بحياتهما معاً، ويعيشان بمرونة ويسر، فذلك يعود لحالتهما النفسية الجيدة التي يتمتعان بها، والتي تمكنهما من مواجهة كل ضغوط الحياة، أما إذا كانت حالتهما النفسية غير مستقرة، ولا تتلقى دعماً نفسياً وتوجيها مختصاً؛ فهما على موعدٍ مع كثيرٍ من المشاكل، وكثير من المشاعر السلبية المدمرة لحياتهما.

وأخيراً..

الحياة ليست مرسومةً كما نريد ونُحبّ؛ بل هي مجموعةٌ من الظروف المختلطة والمتعاكسة.

ورسالتي إلى زوجي

وددت أن أبقى معك على الورد والعهد

لكن الألم أكبر

“لا تقل شئنا، وقل لي الحظ شاء”

التوقيع

زوجة يائسة