البلاغة: التأثير والإبداع ومواكبة الحس.. نص نظرية الإنسان

جمال رسول
“كل الأزهار التي تنبت من التربة تعيش،
وتنمو بعد طلعتك المضيئة،
إنها ترتوي من وجهك حتى الثمالة.”
حلمي سالم،
مختارات من الشعر المصري القديم –
العائش في الحق
الطموح البلاغي الراسخ، المتوهج، والمتدفق عند صياغة النصوص والخطابات – شعرية أو نثرية أو مسرحية – بمختلف أنواعها، إنما يهدف إلى تعزيز طريقة تواصل يتصل فيها الفكر بيانا، وتأثيرا، واقناعا مستندا في بيئته إلى أساليب فنية تتسم بصفة إبداعية تعكس عمقا رؤيويا وجاذبية تعبيرية. وفي قلب نظرية الإنسان، التي ترى الفرد كائناً مفكراً ومبدعاً، تكمن علاقة وثيقة بين مواكبة الحس وفن البلاغة، فيلتقي الإدراك الحسي بجماليات التعبير لتشكيل الخطاب القادر على البيان، والتأثير، والإقناع.
فالحس.. بوابة التأثير العاطفي، ومواكبة الحس تعني الالتفات إلى التجارب الإنسانية المباشرة بكل أبعادها الحسية، فهي الجسر الذي يربط الإنسان بواقعه. وفي البلاغة، تُصبح هذه التجارب مادة لصياغة صور حية ولغة نابضة تخاطب المشاعر قبل العقل، فتؤسلب وتؤثر وتُقنع.
وأما البلاغة.. فن صياغة الفكر بمختلف توجهاته والواقع العام بمختلف نظرياته، فهي ذلك الفن الذي يلتقط نبض الحياة الحسية، ليُعيد تشكيلها في قوالب من الكلم تأسر الألباب. فمن خلال التشبيهات، الاستعارات، والتعبيرات الحسية، يتحول النص إلى لوحة فنية تثير الخيال وتستدعي العاطفة.
وبذلك يتحقق التلاحم بين الحس والبلاغة، فإن نظرية الإنسان تؤكد أن الإبداع اللغوي والخطابي لا ينفصل عن التجربة الحسية.
البلاغة، في جوهرها، هي استثمار مباشر للحس في التعبير، حيث يتمكن الخطاب البلاغي من تحويل التجربة الحسية إلى معانٍ حية تخاطب المتلقي بعمق، فتجمع بين البيان المعرفي، والإقناع العقلي والتأثير العاطفي.
والآن، لتوضيح الفكرة سأحاول عمليا استكشاف التطبيق البلاغي لاستنطاق جماليات نصوص أدبية تستقي اللغة الفنية وتستقصي الصورة في مشهدها.
فإذا كان الحس المواكب: هو حالة عقلية يُدرك فيها الإنسان (الملقي، المتلقي) الألوان كرائحة، أو الروائح كأصوات، أو الأصوات كنكهات، أو النكهات كحركات، فإنه في هذه النظرية أسلوب بلاغي يُوصف فيه إحساس معين بلغة إحساس آخر، تبادل حسي. على سبيل المثال، إذا وُصفت الألوان بأنها متناغمة أو الصوت بأنه حريري، أو النكهة بأنها طلة سائحة، فهذا يُعد نوعًا من الحس المواكب أو شيئا قريبا منه.
هذا الأسلوب رغم أنه شائع إلى حد ما، ولكن يبدو أن هناك قواعد أو أعرافًا بلاغية تنسج بعناية انسجام الحواس المختلفة في لوحات تعبيرية تشتد جمالا.
فالرؤية والصوت مثلا، يمكن استبدالهما ببعضهما البعض. ولنتأمل ذلك في أبعاد صدمة التلوين التي تركها السياب في – لوي مكنيس:
“ولكن ديوانه
دفينا غدا بين أكداس كتب
تلصّ العناكب ألوانه
ويقرأه الصمت للآخرين”
أن تكون الكلمة وسمفونية الشعر عنكبية اللون، يمكن أن تكون الألوان نافرة أو قاتمة، بينما يمكن للقراءة أن تكون صمتا يخرج بـ “كنز دفين تهاوى عليه الحجار؟” أو النداءات الداكنة. حتى أن كلمة “صدى” في:
“وتقرع. للصدى في خيالي..
نواقيس من شعره في الضباب
أمن بعد عشرين مثل الحراب”
هي كلمة غامضة يمكن تطبيقها على أي من ثنائية (السمع، البصر).
واندماج الأصوات التي تحمل الرمزية البحتة، وموسيقى الشعر ليست أكثر من – نواقيس من شعره في الضباب أو من بعد عشرين مضت كالحراب. وتلك زاوية أخرى من الرمز في المواكبة الحسية والتنقل بينها من الصدى إلى الخيال، من نواقيس إلى الضباب ثم انتهاء في القبل الممتد كالحراب.
ويمكن تطبيق اللمس على الصوت، مثل الصوت الخشن، وعلى الرؤية، مثل الألوان الدافئة في لوحة فنية. ولكن نادرا ما يتم عكس هذا الأمر؛ في الواقع، لا أستطيع أن أفكر، ولكن حينما أكون مشتغلا هناك فأنا أجد مثالا جديدا من كنوز السياب، في غربة الروح:
تسللت طرقتي للباب تقترب
من وعيها وهو يغفو ثم تنسحب
ونشّر الحلم أستارا فأخفاها
ورفّ جفناها
حتى كأن يدي
إذ تطرق الباب مسّت منهما: “واها!
من دقّ بابي؟ أهذا أنت يا كبدي؟”
وكذلك الشأن في المقابل الحسي، إذ يمنحك الذوق شعورا حين يمنحك تعبيرات تدل على الاستحسان، مثل “لذيذ” و”شهي”، وأخرى تدل على الاستهجان، مثل “عديم النكهة” أو “مقزز”. فمثلا، يتلاقى حسا في طعم أحمد الحمصي بين نهرين:
– عظيم أنا يا صديقي الصغير!
عظيم أنا!
ألست ترى كيف أجري هنا
أتسمع صوتي المثير؟
– بلى يا عزيزي أراك
وأعلم أنك تجري بقربي
كأنك سيل رهيب
تسير بكل اندفاع
وتحطم في سيرك النابتات على ضفتيك
فيا لك من ظالم مستبد بحلو الزهر
ألا انظر إليّ … ببطء أسير
ولا صوت إلا الخرير
أقبّل عطر صغار الزهور
وفي قبلاتي رضاب نمير
قد تكون التجربة التصويرية في طعم قبلات، وفي طعم رضاب نمير، تجسد ذوقا يرتقي بالمعاني المجازية المرتبطة بالمشاعر جمالا فلسفيا وشاعريا متمازجا في قالبه اللساني، كانت قبْلا صوت خرير.
أما الرائحة كحس آخر مقابل، فهي لدى امرئ القيس، تجلس وحيدة على جانبها، وكأنها تشم أنفها، ثم لتكون في لمة من مثيلاتها. فإن كلمة “نسيم” تعني “الريح” مجرد ريح مضاف ولا علاقة لها بالرائحة. ولكن على مدى الاسترسال، أُرسل كلمات التنسم والاسترواح مثل “الصبا” و”المسك” و”ريا” و”القرنفل” كسفراء إلى الحواس الأخرى، لمسا وهمسا، ولكن، أهذا كل شيء؟، أو لا شيء هو غيره؟، غير أننا من الممكن أن ننسى أن هذه الكلمات كانت في الأصل مرتبطة بالأنف. كما أن الروائح لا توصف أبدًا بأنها تشبه أي شيء آخر، فلنتأمل معا:
إذَا قَامتا تضوّعَ المسك منهما
نسيم الصبا جاءت بريّا القَرنفل
….
وَتضحي فَتيت المسك فوق فراشها
نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
فالرائحة هي ذاتها لم توصف، وهذا ما يجعل عبارة “تضوّع المسك… جاءت بريّا القرنفل” ملفتة للغاية. على الرغم من أن الحس واضح في الكلام، إلا أن التعبير عنها يصدمك ويُوقفك للحظة. العبارة لا تُنسى بطريقة لم تكن..، لتكون..، …إنها كانت تضحي بلا تفضل، أجل بالتأكيد فالحكاية بدءا هي الإنسان.
التشابيه الحسية… والانقطاع المفاجئ في الكلام:
شيء آخر يتساوق والحس مواكبة عند الإيجاز والحذف الذي هو أسلوب إيحائي يستعمله المتحدث ويترك طرفا من الكلام عمدًا ليترك مجالاً للتخيل أو الشعور. هذا بالضبط يتمثل في قول طرفة بن العبد:
وظلمُ ذوي القربى…
أشدُّ مضاضةً … على المرء من وقع الحسام المهند
لقد ترك المتلقي يتخيل بيئة الشاعر وبيئة النص وحجم الألم والمرارة دون أن يكمل وصف الظلم القادم على هيئة أخرى من المواجهة. لقد كان الوصف متعلقا بالأثر، بمقارب النتيجة البائس.
شيء غيّر التوقع من أجل إثارة ما، قد تكون حالة ترقب، أو خلق تأثير درامي أو عاطفي، تعايش ضمن سياق النص، توفير مساحة ليست للغياب وإنما للتأمل ليبلغ مداه.
وعودا على بدء: مواكبة الحس بلاغيا أو فن جمع الحواس في صورة فنية مبتكرة ومؤثرة، مزجا بين الأصوات والألوان أو الألوان والطعم أو الرائحة، مزجا بين المتداخلات الحسية. هذا الأسلوب طي الصور البلاغية كما شهدناه، إنه كائن تواصلي يُدمج ضمن صور مثل التشبيه والاستعارة، ليكون شاهدا على عبقرية التعبير وثراء الخيال.
من جديد، وصولا لانتهاء: سأقف قليلا عند بيت المتنبي:
ورد إذا ورد البحيرة شاربا… ورد الفرات زئيره والنيلا
فقد شغلتني صورته الفنية إذ تجمع بين البصر والسمع في إطار قوة تأثير الحس النفسي، ونلاحظ ذلك في:
1. “ورد إذا ورد البحيرة شاربا”: حين يشير إلى أسد يرد البحيرة ليشرب. هنا يقدم المتنبي صورة مرئية تعتمد على البصر (رؤية الأسد يرد البحيرة للشرب).
2. “ورد الفرات زئيره والنيلا”: حين يمزج بين صورة مرئية (الأسد في حالة شرب) وصوتية (زئير الأسد). فيجعل الزئير كأنه “يرد” (يشرب أو يغزو) الفرات والنيل، في إشارة إلى قوته وهيبته.
وحتى نقف معا على المواكبة الحسية هنا لنتأمل:
1. السمع والبصر: يمزج المتنبي بين البصر في مشهد الأسد عند البحيرة، والصوت في زئير الأسد الذي يتجاوز حدود البحيرة ليصل تأثيره إلى الفرات والنيل.
2. الإحساس النفسي: يصور زئير الأسد كأنه يُرعب ويُهيمن فيتعدى حدودا كبرى تصل الفرات والنيل تحت تأثير صوته، في تجسيد خيالي لقوته … فالصوت كائن مادي يتحرك مؤثرا على مدى بصري ممتدا في البعد، فيخلق نوعا من التداخل الحسي في المشهد.
ومن هذا الفهم فإن مفهوم مواكبة الحس في بيت المتنبي يمكن تفسيره ضمن سياقات رمزية فنياً – للتداخل بين الحواس والتجريد الرمزي – لخلق تجربة فنية. فالرمزية التي تميل إلى استخدام الصور والإشارات الحسية لخلق تجارب غامضة ومؤثرة تتجاوز الواقع المادي، فيمكن من خلال هذا المنظور أن نمارس تفسيرا في الدقة الموضوعية للبيت:
زئير الأسد ليس في الصورة فقط كصوت، بل كرمز للقوة والهيمنة التي تُغطي مساحات شاسعة (الفرات والنيل)، مما يجعل الزئير يتجاوز حده الحسي الطبيعي ليُصبح رمزًا للرهبة والعظمة.
فتمزج الرمزية بين الحواس لإبراز دلالات تتجاوز المعنى الحرفي في التعبير، وهو ما يظهر بوضوح في استخدام المتنبي للصوت كعنصر مرئي ومهيمن.
هنا الآن يمكنني أن أقول: إن هذا النص (بيت المتنبي) في نظري ومن خلال المفهوم الذي قدمته لمواكبة الحس، لا يكتفي بوصف الواقع بل يخلق واقعًا جديدًا يتجاوز حدود الإدراك المباشر، مما يُبرز البلاغة كأداة لإعادة تشكيل جديد في هذا الواقع…
في النهاية، وبنظرة لا تخلو من فلسفة ذاتية، تظل العلاقة بين مواكبة الحس وموضوعات البلاغة شاهداً على النمط التواصلي حياة وقدرة في التحول بين الحس الواقع الملموس والإبداع الخطابي.



