أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العلاج بالصدمةِ الأدبية.. مساراً للتحول

محرر صُبرةالأحد 17 فبراير 2019، 2:10 م
العلاج بالصدمةِ الأدبية.. مساراً للتحول

أنس الرشيد

شابٌّ وسيم، يقف في لحظةٍ شاتية من مساءات كانون الأول أمام الملك.. والحضور تدفأوا بأفقٍ شِعري يوازي المناسبات الوطنية المعتادة؛ ..وفي لفتةٍ سريعةٍ ينطق الشاب بموسيقى هادئة:

وطنٌ دون حوضه نتفانى

وعن العيش فيه لا نتوانى.

فانكسر أفق الجمع الغفير وأخذوا يتلافتون. إنهم ألفوا جلجلة السيوف، والحنجرات العالية.. وهاهو حيدر العبدالله، يمتصّ أعين الحضور؛ صانعا لحظة مغايرة للمناسبات الوطنية؛ لتنطلق وسائل التواصل محتفلة بالحدث احتفاءً سلبياً؛ دون أن تعي لحظة البداية الإيجابية لهذا التحول في التواصل الأدبي للذهنية المجتمعية.

كيف نقرأ الحدث كتحول إيجابي؟

لما دخل حيدر العبدالله القاعةَ حمل معه سؤال/ هل نستطيع أن نتلقى شعر المناسبة الوطنية في شكلٍ يتوازى مع الحنين والرأفة والدفء للوطن، لا الفخر الذي يعامل الوطن كندٍّ ومحارب للأوطان الأخرى ؟

لهذا دخل (حيدر) مختبرًا ذلك الأمر؛ بإصراره على ألا يغيّر من أسلوبه في الإلقاء؛ ليعالج المجتمع بالصدمة الأدبية.. وينتظر مع المنتظرين إلامَ تبحر بنا التجربة؟

هل تبحر بنا إلى معاني القصيدة الوطنية الحانية، لا شكلها الحربي؟

صحا المجتمع الافتراضي على مقولة: (إن حيدر العبدالله وهو يلقي – بطريقته المعهودة- لم يفرّق بين المقامين: مقام دفء وحنين ورقّة، ومقام سياسة بحضور الملك والجمع الغفير)، لهذا سارع المجتمع ليحكم على الشاعر بالإخفاق!

وما تلك ـ من حيدر- إلا جرعة علاجية للمجتمع ليصحو للمعاني الوطنية الغائبة.. فإن أول ستة أبياتٍ عن الوطن لذاته وفي ذاته؛ لهذا كان الدفء والحنين.. ثم عرّج ليمدح الملك؛ مكثرًا من الضمائر التي تعود – لغويًا – على الممدوح ، لكنها – أدبيا – تعود على الممدوح في لحظة تقمصه للوطن؛ لهذا كان كل بيت صالحا لأن يُجتزأ من سياقه، ويعطى المعنى البعيد عن المناسبة الآنية؛ فالعنوان – وهو العتبة الأولى- وطني كله (مخطوطة القرى والظلال) .. وسياقات الأبيات الأخرى تنص على الحضن

– لم تزدنا يداه إلا احتضانا

– أمم اليتم أن تكون أبانا

– خيمة في الهجير

– فالحنايا وهبتها إيانا

– ففينا ملك في فؤاده سكنانا

– نحن في عينه

وقد كانت لفظة (سلمان) في القصيدة تعني الوطن ..

لقد بدأ البيت السابع بقوله:

وستحيا البلاد أرضا وشعبا

طالما كان شيخها سلمانا

وأنهى القصيدة بالبيت نفسه بتقديم الشعب على الأرض؛ في لحظة اندماج بينهما؛ مسبقا إياه ببيتين يعودان إلى وصف الوطن لذاته ليشير لمعنى (سلمان) :

وتظل البلاد مرعى أمانينا

ومجرى أفراحنا وشجانا

وردة نرتدي شذاها وقبراً

نشتهيه إذا الحِمام اشتهانا

وليقول: إن لفظة (سلمان) هنا إذا لم يكن يعني الوطن؟ والموت محتم علينا كلنا ..فهل يسقط الوطن بالموت؟!

وبعد أن يعي المجتمع – في وقت لاحق – الجرعة العلاجية من حيدر العبدالله ستظهر عليه آثارٌ انسحابية تبرز الأمر المهم وهو:

ما مقام المدح المعلّق على الأبواب بعد أن ينفضّ الجمع!! في مقابل التواصلِ العشقي للوطن، الحاجةِ إلى وطنٍ نحنّ إليه ويرأف بنا، نعيش في ظله ونسقيه بدمنا؟

ثم يلتفت المجتمع إلى نفسه متسائلا

هل المعاني التي تضمنتها قصيدة (مخطوطة القرى والظلال) متناسبة مع المشاعر التي اكتنفت القصيدة لحظة الإلقاء؟ فيجد أن الإجابة بالإيجاب؛ فلم قلنا إذن : لقد خانه التعبير ؟!.

ذلك ما يصدم الذهن، ويلفته إلى الطرائق الجديدة، التي تبعده عن الأحكام الجاهزة.