الشباب السعودي بين الطموح والواقع الصعب: رؤية وتجربة شخصية

جواد عبدالستار الشيخ*
عندما عدت من دراستي في الخارج، كنت مليئًا بالطموح والرغبة في الإسهام في تطوير وطني. ومع ذلك، ما لاحظته خلال لقاءاتي مع الكثير من الشباب السعودي من مختلف الثقافات أثار استغرابي. بدا أن الكثير منهم يفتقر إلى الحافز للالتحاق بالدورات التدريبية أو البرامج التطويرية، حتى وإن كانت مجانية. كان تبريرهم أن هذه الجهود “مضيعة للوقت”، وهو ما بدا لي موقفًا غير منطقي، خاصة في ظل الدعم الحكومي السخي لتطوير الكفاءات الوطنية.
الطموح الشخصي في مواجهة الواقع
في ذلك الوقت، كنت أعتقد أن المشكلة تكمن في الشباب أنفسهم. ومع مرور السنوات، وبعد أن استثمرت الكثير من الوقت والمال في تطوير نفسي عبر دورات وشهادات مختلفة، أدركت أنني ربما كنت مخطئًا. فهؤلاء الشباب، الذين كنت أنتقد قلة حماسهم، كانوا على دراية بواقع سوق العمل الذي يتجاهل في كثير من الأحيان جهود الأفراد وكفاءاتهم.
على الرغم من الضغوط التي تمارسها الجهات الحكومية على الشركات لتوظيف السعوديين، إلا أن أغلب الشركات تفضل العمالة الأجنبية. هذه الشركات تقدم مبررات مثل “السعودي لا يقبل العمل”، لكنها في الحقيقة تُقدم للمواطنين رواتب منخفضة وتُكلفهم بمهام لا تتناسب مع مؤهلاتهم، بينما تمنح العمالة الأجنبية امتيازات أفضل.
تحديات المشاريع الشخصية: الواقع الصناعي نموذجًا
عندما نتحدث عن الحلول البديلة، مثل تأسيس المشاريع الشخصية أو الصغيرة، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، خاصة في المجال الصناعي. ومن تجربتي الشخصية، فإن هذه المشاريع تواجه عقبات تجعل تحقيق النجاح أمرًا بالغ الصعوبة.
1. التمويل شبه المستحيل: الحصول على تمويل للشركات الناشئة قبل البدء يكاد يكون أمرًا مستحيلًا. البنوك تطلب ضمانات ضخمة لا يستطيع الشباب توفيرها، مما يضع عراقيل في طريق رواد الأعمال.
2. إيجارات المستودعات الخرافية: إيجارات المستودعات تُشكل عبئًا هائلًا على المشاريع الناشئة، حيث تصل إلى مستويات خرافية لا يمكن لأي مشروع صغير تحملها، خاصة في المراحل الأولى من التأسيس.
3. الإجراءات البيروقراطية المرهقة: تأسيس مشروع صناعي يتطلب المرور بعملية طويلة ومعقدة، مما يجعل الكثيرين يبتعدون عن هذه الفكرة رغم أهميتها للسوق المحلي.
الحلول الممكنة
لحل هذه المعضلة، نحتاج إلى تكاتف الجهود بين الأفراد، الحكومة، والقطاع الخاص:
1. على مستوى الأفراد:
• البحث عن مجالات مبتكرة وأقل تكلفة للعمل فيها.
• التفكير في الشراكات التي تقلل من الأعباء المالية.
2. على مستوى الحكومة:
• إطلاق برامج تمويل مُيسرة للشركات الناشئة، مع تخفيض الضمانات المطلوبة.
• تقليل إيجارات المستودعات ودعم مشاريع رواد الأعمال في المجال الصناعي.
• تسريع الإجراءات البيروقراطية وتبسيطها لتشجيع الشباب على دخول المجال الصناعي.
3. على مستوى الشركات:
• تعزيز الشراكات مع المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومنحها فرصًا للمشاركة في سلاسل التوريد.
• دعم الكفاءات الوطنية وتقديم بيئة عمل تتناسب مع طموحاتها ومؤهلاتها.
الخلاصة
ما بين الطموح والواقع، يجد الشباب السعودي أنفسهم أمام تحديات كبيرة تحتاج إلى حلول جذرية ومنظومة داعمة. الطموح وحده لا يكفي، لكن إذا تعاونت الجهات المختلفة لدعم الشباب، يمكننا تحقيق نقلة نوعية في سوق العمل والمشاريع الصناعية.
*متخصص في تطوير الكفاءات والسلامة المهنية.



