حين انكسر البيت من الداخل

عبدالله أبو رشيد
لم تكن العبارة التي كتبها الابن على ملفه الشخصي هي ما فجّرت الخلاف، بل كانت أشبه بمرآةٍ وضعت أمام الأب، فعكست صمتًا قديمًا، ووجعًا ظل يتراكم في القلوب.
كتب الابن:
“زوجتي ليست كبقية النساء، هي أغلى ما أملك في هذه الحياة.”
قرأها الأب، ولم يقرأ فقط كلمات.. بل قرأ غيابه، وقراراته، ومسافة السنين.
شعر وكأن هذه الجملة تُخرجه من قلب ابنه، وتُقصيه إلى الهامش،
وكأن البيت الذي أسّسه بات غريبًا عنه، وكأن البرّ أصبح منشورًا لا سلوكًا.
استدعاه، لا ليعاتبه… بل ليقول ما لم يقله من قبل.
جلست الأم في الزاوية، لم تنطق، لكنها كانت تعرف أن هذه اللحظة تأخرت كثيرًا.
قال الأب:
– لمَ تغيّبت عنا يا ولدي؟
– ليست غيبةً مقصودة، يا أبي…
العمل وتقلباته فرضت عليّ هذا البعد، لكنه لا يعني أنكم لستم في قلبي.
– وهل عملك لا يمنحك نصف ساعة في اليوم تزورنا فيها؟
– أعتذر، وإن قصّرت، فوالله ليس إهمالًا…
أنتما الهواء الذي أتنفسه.
لكن الأب انفجر:
“كذبت! لو كنت صادقًا، لما كتبت عن زوجتك أنها أغلى ما تملك، وتنسى من أعطاك كل شيء منذ ولادتك.”
ثم التفت إلى الأم، التي ظلت صامتة، وقال لها متهكّمًا:
“هذا نتاجك، هذا ابن دلالك، وهذا حصادك.. كُلِي طبختك.”
ركلها دون أن يرفع صوته أكثر.
لكنها لم تتحرك.. لا لضعف، بل لأنها اعتادت الألم في صمت.
هنا، انكسر الابن، وتقدّم نحوها، احتضنها، وقال لها بصوت مرتعش:
“يا غالية… يا عزيزة… سامحيني،
إن كنتُ بكلمتي هذه تسببت في ألمك.
ما كتبتها إلا لأجل امرأة مثلك..
كتبتها لزوجتي، لعلك تسمع، يا أبي، أمي كلامًا مثل هذا!
لعلك تدرك أن المرأة — الأم، الزوجة — هي من تربي وتُؤسس.
أنا وأنت نغيب في أعمالنا،
لكن أمي وزوجتي… هنّ الأمناء على بيوتنا.”
نظر الأب إليه في صدمة، وقال:
“منذ متى وهي غالية؟”
فقال الابن:
“منذ أن أنجبتني، منذ أن كانت تذوب تعبًا ولا تشتكي،
منذ أن كانت تمسح دموعي دون أن أطلب.”
قالت الأم بهدوءٍ يشبه انكسار العمر:
“ومنذ أن اشتدّ عوده، لم يقل لي إلا ما يُشعرني بأني موجودة… وإن كنتُ لم أطلب منه شيئًا.”
التفت الأب مجددًا، وسأل ابنه:
“ولِمَ لا تقول لي ما تقوله لها؟”
فقال الابن:
“لأنك تظل أبي، وتاج رأسي، لكنّ الذي في صدري لو قلته لك، سيحطّ من صورتك في عيني، وأنا لا أريد أن أراك مكسورًا.”
ضحك الأب ساخرًا:
“قل ما عندك.”
فقال الابن بصدق لم يعد يحتمله داخله:
“كيف تلومني على غيابي، وأنت غبت عن أبيك شهورًا؟
كيف تراقب حساباتي المالية، ولم تسأل نفسك كيف يعيش جدّي مع عمي المُثقل بالديون؟
كيف تطلب مني صَداق زواجي، ثم تقول تحبنا؟
نعم، ساعدتنا في الأعراس، لكن لأجل مظهرك أمام الناس.. لا لأجلنا.”
سكت الأب.
قالت الأم بنبرة رجاء:
“ألم أقل لك من قبل؟
ألم أطلب منك أن تزور والديك وتخفف عن أخيك، حتى لا يُقال إني من حرضته؟
وأنا ما كان لي حيلة إلا الصبر.”
نهض الأب وغادر البيت دون أن يرد،
ولا حتى بكلمة.
وغاب صوته…
لكن وقع الصمت كان أبلغ من كل الكلمات.
هكذا ينكسر البيت…
لا حين يصرخ أحد،
بل حين تضيع اللغة بين أفراد الأسرة،
حين يغدو الحبّ افتراضًا لا ممارسة،
والبرّ استعراضًا لا إحساسًا،
والأبوة سلطةً لا قدوة،
والأمومة تضحيةً لا تقديرًا،
وحين يصبح “الكلام الجميل” للغرباء فقط،
ويُظن أن المرأة — أمًا كانت أو زوجة — لا تحتاج سوى الخبز…
مع أن ما تريده فقط هو كلمة تُشعرها أنها مرئية.
الكلمة، يا أبي، تُحيي،
والكلمة، يا ابني، تُبرّ،
والكلمة، يا أمي..
كنتِ الأحق بها منذ زمنٍ بعيد.



