تحولات الأنا الشعرية في تجربة حسين آل عمار

محمود المؤمن
تمثل تجربة الشاعر حسين آل عمار مسارًا إبداعيًا ثريًا يكشف عن تحولات الأنا الشعرية بين الانكسار والانتصار والتأرجح. فكل ديوان من دواوينه لا يعد مجرد محطة زمنية، بل هو عتبة كاشفة عن مكنون الذات وتوتراتها الداخلية، بما تحمله من قلقٍ إنساني، ورغبةٍ في التحرر، وسعيٍ متواصل نحو السمو الروحي.
وسوف نتناول أربعة محاور هي:
1- تطور الأنا عبر عتبات الدواوين:
إن العناوين الأولى تفتح أبواب التأويل؛ ففي صمتٌ وأشهى نجد الأنا منكمشة داخل ذاتها، مثقلة بالخذلان:
الكلُّ يقرؤني بعين الفجر
حرفًا جارحًا
يستافُ من دميَ الوجوم
كأنني
السطر المهمّش في الكتابِ
وعلى هديرِ الأغنياتِ
أرى شحوبيَ باذخًا
والعمرُ ياكلُ من شبابي
لكن مع قصاصات غيبية تبدأ الذات في الانفتاح على الرموز الدينية والولائية، محاولةً أن تستمد قوتها من الماورائي:
وثاني اثنينِ ثلّثكم فؤادي
بشِعرٍ يملأُ الكونَ امتداحا
وفي سمعي بلالُكَ باتَ نوراً
فصارَ الكونُ في عيني رباحا
أما ما أعتقته يد البنفسج فيكشف عن نزوع جمالي حر، حيث الأنا تتحرر عبر اللغة، وإن ظلت مثقلة بجراحها:
أنا الذي اخترت منفىً في مخيِّلتي
لمَّا قطعتُ بسكينِ الهوى رحِمِي
أنا الذي لم أجد في وسع أزمني
إلايَ كيف دفنتُ الذاتَ في كلِمي
ويتجلى التحول الأكبر في سيزهر المستحيل باكرًا؛ حيث الأنا أكثر ثقة وصلابة، تقاوم وتنتصر على الخذلان:
وحدي هناك،
هنا،
كيف التقت بدمي خرائطٌ نحوها
مذ كنتُ يمَّمتُ
وهكذا لم أكن إلا بحجم دمي
لذاك زالوا جميعاً
حيث ما زلتُ
ويبلغ المسار ذروته في السموات أقرب، حيث تتسامى الأنا من حدود الفردي إلى فضاء كوني:
أنا شاهدُ المجدِ الأخيرِ
من تراى كعُلاهُ يَلبَسُهُ الكمالُ الهائلُ
قد كنتُ بين يديهِ
أَلبَسُ مرجَهُ ثوبًا
فتقفزُ من يديَّ سنابلُ
2- الانكسار في الأنا الشعرية:
يمثل الانكسار الوجه الأكثر حضورًا في بدايات الشاعر، حيث تتجلى الأنا مثقلة بالخذلان، منكسرة أمام قسوة الزمن:
أراقبُ ذاتي والغياب يذيبها
عجوزاً بسقم الدهر غاب طبيبها
تخمَّر فيَّ الطينُ حتى تحلَّلت
محاسنُ أشلائي وجفَّ حليبُها
أراني أمام الدهرِ مرآةَ ثاكلٍ
لأنعى مع (العشرين) فقداً يُصيبُها
ويزداد هذا الشعور في سيزهر المستحيل باكرًا حين يصف ذاته بالتهشم والتيه:
مهشمٌ
تائهٌ
أمشي ولا أمشي
أدقُّ آخرَ مسمار على نعشي
لا ذنب للهمِّ حين اختارني وطناً
أنا الذي بعتُ في سوق الهوى عرشي
فالانكسار عند آل عمار ليس مجرد انفعال عابر، بل هو وعي بجرح الوجود الإنساني، وبالغربة التي تحاصر الذات في زمنٍ مثقل بالخذلان.
3- الانتصار في الأنا الشعرية:
غير أن الأنا لا تستسلم لانكساراتها، بل تنبعث في صورة منتصرة عبر الولاء الديني أو التحدي الإنساني. ففي مقام الإمام علي (ع):
حاصرتني بالحبِّ عمراً كاملاً
فكأنما نجفٌ تحيطُ أضالعي
أنا ما عشقتُكَ رغبةً في جنةٍ
لكن وجدتُكَ تستحثُ مطامعي
وفي مخاطبة الحسين (ع):
بالسنين العجافِ جئناكَ شوقاً
فاسكب الحبَّ بالسنين السِّمانِ
أنت منا ونحن منك فخذنا
من بحار الأذى لبرِّ الأمانِ
حتى تتبلور هذه الروح المنتصرة في سيزهر المستحيل باكرًا، حيث تتحدى الأنا المستحيل نفسه، مؤمنة بأن الزهر سيأتي رغم قسوة الظروف.
4- التأرجح في الأنا الشعرية:
وما بين الانكسار والانتصار، تتأرجح الأنا بين لحظات الضعف ولحظات القوة، كما في قوله:
أنا الغريبُ الذي منفاهُ يُنكِرُ ما
بكاهُ ردحاً ولم يحفل به الكبتُ
أسيرُ في زحمةِ الأصداءِ
أعبرُ بي إليَّ
مهما على دربِ السَّنا شختُ
متُّ،
اخترقتُ،
انطفأتُ،
احترتُ،
متُّ،
يئستُ،
ارتحتُ،
رحتُ،
ولمنيمعي جئتُ
إنها أنا ممزقة بين الأمل واليأس، بين الحضور والغياب، تبحث عن المعنى وسط تناقضاتها. هذا التأرجح هو ما يمنح تجربة آل عمار صدقها الإنساني، ويجعلها قريبة من القارئ، لأنها تعبّر عن هواجسه المتناقضة ذاتها.
ولا يسعني في الختام إلا أن أقول:
إن تجربة حسين آل عمار ليست رحلة عابرة في فضاء الشعر، بل هي مسار وجودي مكتمل، تتحرك فيه الأنا الشعرية بين الانكسار والانتصار والتأرجح، حتى تصل في النهاية إلى مقام السمو الروحي. ومن خلال عتبات دواوينه، ندرك أن الأنا لم تكن ثابتة، بل كائن حيّ يتنفس، ينكسر، ينهض، ويتسامى. وهكذا يقدم آل عمار صورة للشعر كمرآة لرحلة الإنسان في بحثه الدائم عن ذاته وعن المعنى.



