أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ألوان الظلام.. رحلة في دهاليز الذات والجمال

محمد السيدالثلاثاء 21 أكتوبر 2025، 12:06 م
ألوان الظلام.. رحلة في دهاليز الذات والجمال

عبدالله النصر

في رواية “ألوان الظلام” للكاتبة ريما آل كلزلي، نجد أنفسنا أمام عملاً أدبياً استثنائياً لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يغوص عميقًا في دهاليز النفس البشرية، باحثًا عن تلك الألوان الخفية التي تشكل ملامح وجودنا.

ليست الرواية مجرد تسلسل للأحداث، بل هي لوحة فنية مرسومة بالكلمات، تتداخل فيها الظلال بالأنوار، والصمت بالصراخ، لتمنح القارئ تجربة شعورية تقترب من التأمل أكثر مما تقترب من القراءة.

تتمحور الرواية حول سؤال وجودي كبير، من نكون حقًا؟، وهل هويتنا هي ما نراه في المرآة، أم ما ينعكس من نظرات الآخرين نحونا؟، بطلتها خزامى، الفتاة ذات العيون الخضر، تمثل الإنسان الحائر بين صورته الداخلية وصورته المفروضة عليه.

تقول في لحظة انكسار “بعض الجمال نقمة، وكأنه سجن بلا أبواب، أريد الهروب من النور لأكون ظلًا بين الظلال”، بهذه العبارة، تختصر الكاتبة المأساة الإنسانية التي تسكن بطلتها، فالجمال الذي يراه الناس نعمة، تراه هي عبئًا، قيدًا يخنقها في عالم يقدس المظاهر وينسى الجوهر.

ما يميز أسلوب ريما آل كلزلي هو شعرية السرد وعمق الإحساس، فهي لا تكتب أوصافًا باردة، بل تبث الحياة في اللغة، كل جملة تنبض بالعاطفة، وكل استعارة تنفتح على فضاء تأملي جديد.

تقول في أحد المقاطع “العالم كله بالنسبة لي أصوات ولمسات وروائح، وقد يكون شيئًا آخر، شيئًا يشبه الحلم، حتى الحلم لا ترى سفحه إن كان مسطحًا”، هكذا تتحول اللغة في الرواية إلى فرشاة رسام يرسم بها المشاعر قبل المشاهد، لتصبح الكلمة لونًا، والجملة ظلًا، والفكرة ضوءًا يتسرب من بين حروفها.

تستخدم الكاتبة تقنيات سردية متعددة، أبرزها تيار الوعي، وهو أسلوب يعرض ما يدور في داخل الشخصية من أفكار ومشاعر كما تتدفق في ذهنها بحرية ودون ترتيب مسبق، ليجعل القارئ يعيش داخل وعيها مباشرة.

ومن خلال هذا الأسلوب، يدخل القارئ إلى رأس البطلة، فيسمع ارتباك أفكارها ويشعر بانكساراتها، تقول خُزامى “أفكر كثيرًا في الدوائر، كيف تبدأ ولا تنتهي، كيف تسحبنا إلى داخلها دون أن ندرك”، كما تظهر الحوارات التي تدفع إلى التفكير، وتطرح أسئلة عن الحياة ومعناها، تقول “الكلمات ليست مجرد حروف، إنها جسر العقول ومرآة الأرواح، تمتلك القدرة على بناء عوالم أو هدمها.”

تنتقل الأحداث بين الماضي والحاضر، فيشعر القارئ وكأن الزمن يختلط، فلا يعرف أحيانًا إن كان ما يقرأه ذكرى أم لحظة يعيشها الآن.

الذي يجعل “ألوان الظلام” مميزة، هو قدرتها على تحويل حكاية خُزامى الخاصة إلى قصة تشبهنا جميعًا، فبين سطورها نرى ملامح منّا ومن مشاعرنا، تقول إحدى الشخصيات “لطالما شعرت أن أهم مطلب للإنسان في هذه الحياة ليس المال ولا الشهرة، وإنما ذلك السلام الداخلي الذي يطفئ ضجيج الروح”.

بهذه الكلمات البسيطة تعبّر الكاتبة عن فكرة الجمال الحقيقي، ذلك الذي لا نراه بالعين بل نشعر به في داخلنا، الجمال الذي يأتي من الروح لا من المظهر.

وفي نهاية الرواية يظهر المعنى الأعمق عندما تقول “الذاكرة ساعة عتيقة، تعيد عقاربها إلى لحظات لا تُنسى”، فكل ما نحمله من ذكريات هو ما يصنع ملامحنا، ويجعلنا نتغير وننمو كما لو كنا لوحة ما زالت تُرسم.

“ألوان الظلام” ليست مجرد قصة تُقرأ، بل تجربة نعيشها. إنها مرآة نرى فيها أنفسنا بكل ما نحمله من ضعف وقوة، من نور وظل، رواية تذكرنا أن الجمال لا يكون في الوضوح التام، بل في تلك المساحات الغامضة التي يلتقي فيها الضوء بالظل، حيث يبدأ الإنسان رحلة اكتشاف ذاته، وحيث يكتمل الفن حين يلامس أعماق الروح.