“كلام جرايد” الثمانينيات أقرب إلى حياة الناس من إعلام اليوم

الدمام: ليلى العوامي
قال الكاتب أثير السادة، إن طبيعة تناول القضايا في الثمانينيات تختلف جذرياً عن الحاضر، موضحاً أن حماس الناس وتفاعلهم مع القضايا العامة كان أكثر وضوحاً في الصحف، التي كانت تعكس ما يجري في المجتمع من حولها، لا سيما عبر العناوين الكبرى التي شغلت اهتمام الناس سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.

جاء ذلك خلال محاضرة “مرابد الثقافة.. كيف تقرأ صحيفة قديمة”، التي قدمها “السادة” في نادي شباب هاب بالدمام مساء البارحة، ونظمها نادي “تمائم أدبية”.
وقد تحدث خلالها عن تجربته الشخصية ورؤيته النقدية في قراءة الصحف السعودية القديمة، مسلطاً الضوء على التحولات التي طرأت على الصحافة واللغة والمشهد الثقافي منذ الثمانينيات حتى اليوم.

وخلال ساعة ونصف تقريبًا، وصف السادة حديثه بأنه غير جاد أقرب إلى الدردشة المعرفية، قائلًا “هي تجربة شخصية في تقليب صحف قديمة تغطي مساحة زمنية بطول عقد كامل، أمضيت عامين أقلب في ساعات الفراغ صفحات جرائد سعودية، وفيها الكثير مما يبعث على السؤال والتأمل.”

وتوقف السادة عند سؤال محوري: كيف نقرأ الصحف القديمة؟ مؤكدًا أن طرق القراءة متعددة، وتفتح باب التخيل وإعادة اكتشاف الزمن.
وأشار إلى تجربته في قراءة أعداد من مجلة الشرق تعود إلى الثمانينيات، نجت من حريق لحق بدار الشرق، موضحاً أنه كان يتعامل معها بحرص شديد “مرتدياً القفازات”، في إشارة إلى قيمة هذه الوثائق التاريخية.

فضاء مفتوح وصاخب
وأوضح السادة أن الصحافة قديمًا كانت تؤدي دورًا يشبه ما تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، إذ كانت منصة لنشر أخبار الناس اليومية، من نجاحات ومفقودات وإعلانات شخصية، إلى ملفات اقتصادية واجتماعية، وحتى خواطر يكتبها أطفال عن فلسطين، أو نصوص تعكس مشاعر آباء وأبناء في لحظات التحول الأسري.

وبيّن أن هذا الفضاء لم يكن هادئًا، ولم تكن كل الأصوات تجد طريقها إلى الصحيفة، إذ كانت هناك تحيزات وصراعات حاضرة بقوة، مشيراً إلى أن “رائحة اللغة” في الصحف القديمة تختلف تماماً عن لغة اليوم، سواء على مستوى المحتوى أو أسلوب المعالجة.
وفي حديثه عن الملاحق الثقافية، قال “كان المجتمع يستقبل كل شيء، وكانت الصحف تتنافس بشكل كبير في الملاحق الثقافية الأسبوعية، بخلاف الصفحات اليومية.”

الحداثة.. السؤال الساخن
وأشار السادة إلى أن الحداثة كانت السؤال الأبرز في تلك المرحلة، موضحاً أن المشهد لم يقتصر على حداثة الشعر فقط، بل كان تشكيلاً ثقافياً متكاملاً، شارك فيه شعراء جدد ونقاد سعوا إلى اكتشاف التجارب الحديثة.

وأضاف أن هذه الموجة أفرزت صدامات فكرية بين تيارات مختلفة، بين محافظين وحداثيين، وظهرت خلالها “حروب ساخنة وأخرى باردة”، حتى بين الحداثيين أنفسهم، كما لفت إلى بروز تيار الانطباعيين في مراحل لاحقة، ممن قدموا قراءات نقدية للحداثة، ولا تزال آثار تلك الخصومات قائمة حتى اليوم.
وأكد أن الصحف في ذلك الوقت اندفعت لتقديم ملاحق ثقافية غنية بالأسماء والنصوص الجديدة، ووجدت هذه الكتابات جمهورها، موضحاً أن البدايات غالباً ما تكون مشبعة بالحماسة، لكنها تنضج مع الوقت.

الصحف كوثيقة ثقافية
وأضاف السادة “من جماليات الصحف القديمة، أنها كانت تفرد مساحات واسعة لتغطية الأمسيات والندوات، فتنقل تفاصيل الحدث، ومعلوماته، ومشاعر الحضور”، مؤكدًا أن الصحف اليوم تفتقد كثيرًا من هذا العمق.
وتساءل السادة إذا كان التغيير في الشكل يعني بالضرورة تغييراً في المضمون، مبيناً أن الصحافة القديمة كانت تمر عبر فلاتر تحريرية ونقدية متعددة، ما منحها قدراً أعلى من الجودة مقارنة بالسجالات السريعة في وسائل التواصل اليوم.

بين الأمس واليوم
وفي ختام حديثه، استعاد السادة مقولة شائعة قديمًا “كلام جرايد”، التي كانت تدل على أخبار غير مؤكدة، مشيرًا إلى أن الصحف كانت متعددة الصفحات، وكان لا بد من ملئها أحياناً بأخبار خفيفة أو ساخرة، بينما أصبح المتلقي اليوم أكثر حذراً، يبحث عن مصدر رسمي موثوق قبل تصديق أي خبر.
وعن سؤال الحداثة الثقافية وعلاقتها ببقية الحداثات، أكد أن الثقافة جزء لا يتجزأ من الحياة ومشاريع التحديث، مع التشديد على أن التراث يبقى ثابتاً، وأن الثقافة ليست بمعزل عن الحفاظ على الجودة والنوعية.

وختم السادة اللقاء قائلًا “هذا النقد الثقافي هو خلاصة ما كتبته في كتابي مرابد الثقافة، حيث وصفت ما رأيته ووجدته في الصحف، مع قدر من التحليل، فجميعنا في مشوار تحولات الصورة.”









