أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيكولوجية الأدب 1] الأدباء سبقوا التحليل النفسي في تحري خبايا النفس

محرر صُبرةالأحد 4 يناير 2026، 9:00 ص
سيكولوجية الأدب 1] الأدباء سبقوا التحليل النفسي في تحري خبايا النفس

أسعد علي النمر

مدخل

يظلّ الأدب أحد أكثر الحقول قدرةً على كشف الطبقات المضمرة في الخبرة الإنسانية؛ فهو لا يكتفي بأن يعكس العالم الخارجي، بل يفتح نافذة على العوالم الداخلية التي تتحرك خلف اللغة، خلف الصورة، وخلف الإيقاع.

ومن منظور التحليل النفسي، يصبح النص الأدبي مساحة يتقاطع فيها الخيال مع الرغبة، والذاكرة مع الكبت، واللغة مع اللاشعور. إنّ كل نصّ ـ مهما بدا بسيطًا ـ يحمل في طيّاته بصمة نفسية لا تخصّ الكاتب وحده، بل تعكس عمليات الجهاز النفسي ذاته: حيل دفاعية Defensive mechanisms، تشكيلات الرغبة، ديناميات الهو Id والأنا Ego والأنا الأعلى Super ego، وتموضعات الذات داخل لغتها (اختيار المفردات أو تداعيها بلا قصد تعبيراً عن انفعالات ورغبات ودوافع… إلخ).

فيما سيلي سأحاول استقصاء البنية النفسية الفاعلة في النص الأدبي، ليس بحثاً عن تفسيرٍ جاهز، بل رغبة في تتبّع كيف تتحول الخبرات الشعورية والعمليات اللاشعورية إلى صور واستعارات وحكايات. فأتساءل:

كيف يُفصح اللاشعور عن وجوده عبر الأدب؟

وكيف يمكن للقراءة التحليلية النفسية أن تكشف عن الرغبات والدوافع والانفعالات المكبوتة التي تشكّل العمق الخفي للنصوص أو للغة المكتوبة؟ وهل التأثيرُ متبادل بين النّصِ الأدبي وصحتنا النفسية؟

بهذا المنظور، لا يعود الأدب مجرد منتج جمالي، بل يصبح فعلاً سيكولوجياً بامتياز، يحرّك القارئ كما يحرّك الكاتب، ويتيح لنا أن نرى الذات وهي تتكلّم بلغتها، وتشكّل عالَمها، وتعيد إنتاج خبراتها عبر الرموز والسرد.

خبرات الفرد، أياً كان، تترك بصماتها في ذاكرته. فالروائي أو الشاعر، على سبيل المثال لا الحصر، يقدم نصّاً ذا هوية؛ أو أنه يتمثّل في نصوصه انفعالياً ووجدانياً ومعرفياً. وحينما أقول الهوية – هنا – فإنني أعني بها هذا التراكم التاريخي الشخصي من الأحداث المـُستدخلة في الذهن كذاكرة معرفية وانفعالية بعضها مطمور في الأعماق (اللاوعي) ويلعب دوره في استظهار هذه الهوية.

لذلك، هناك بالنص الأدبي ما يمكن اعتباره مادة غنية للتحليل وقراءة العقل الباطن، كما هو حال الأحلام وحتى الهذيان والأعراض العُصابية.

ويبدو أن فرويد(1)، في هذا السياق، رأى أن الشعراء والروائيين، مثلاً، يُعدّون مصدراً غنياً لِمَا يمكن الاستفادة منه في تحليل النفس البشرية والذهاب عميقاً فيها. لذلك، يستحق هؤلاء التقدير الكبير. وهنا يعترف مؤسس التحليل النفسي بأن الأدباء سبقوا التحليل النفسي في تحري خبايا النفس. فهم معلمونا وأساتذتنا نحن معشر المحللين النفسيين الذين لم نفلح بعد في تسهيل استجلاب ما يكمن في النفس للعلن.

وللحديث بقية . . .

* اختصاصي بعلم نفس إكلينيكي.

————-

(1) فرويد، سيغموند. (1981). الهذيان والأحلام والفن، الطبعة الثانية. ترجمة: جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر. ص7. (نُشرت النسخة الأصلية 1907).