الكتابة تنظيم انفعالات وفهم للعالم الداخلي سيكولوجية الأدب 2] العملية الإبداعية شكل من أشكال العلاج الرمزي
![الكتابة تنظيم انفعالات وفهم للعالم الداخلي سيكولوجية الأدب 2] العملية الإبداعية شكل من أشكال العلاج الرمزي](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2025%2F12%2F%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B1.avif)
أسعد علي النمر
تأثير الأحداث في النشأة
الأديب في سرديته يشكل جسراً وثيقاً بين الأدب والسيكولوجيا. فالأديب كائن اختمرت فيه شتى التأثيرات الموضوعية أو البيئية التي شكّلت خبراته الشخصية أو أفكاره وانفعالاته ومشاعره. لكن هذا المخزون الشخصي من الخبرات ليس على مستوى واحد من الوضوح في ذهنه؛ فبعضها مَوعيٌّ به، فيما معظم البعض الآخر غير موعيٍّ به ويؤثر ـ بنفس الوقت ـ في أغلب استجاباته بما في ذلك الكتابة.
وفي هذا السياق، يقدم لنا الطبيب والشاعر إبراهيم ناجي ملمحاً عن تأثير النشأة هذه في مقالٍ كتبه في مجلة الرسالة/العدد 360 عام 1940 تناول فيه “سيكولوجية الأديب”.
ومع أنه حصر وجهة نظره في الأديب المصري، إلا أنه وضع بعض الإضاءات على التأثيرات المحتملة التي تأخذ سيكولوجية الأديب في اتجاهات مختلفة(1).
يتأثر الإنسان ببعض العوامل منذ ما قبل ولادته وهو في رحم الأم، كما يتأثر أيضاً أثناء طفولته المبكرة. فمثلاً، الضغوط التي تتعرض لها الأم أثناء الحمل، مثل الكرب Stress والقلق Anxiety، يمكن أن تغيّر كيمياء دماغ الجنين وتزيد احتمال ظهور مشكلات نمائية أو مشاعر ومزاج مضطرب أو صعوبات معرفية لاحقاً بعد الولادة(2)(3).
بكلمات أخرى، التوتر المزمن للأم الحامل يترك أثراً عصبياً في الشبكة بين الدماغ وغدتي الكظرين (فوق كل كُلْيَة غدّة تسمى غدة الأدرينالين) التي تتحكّم في استجابة الجسم للتوتر، حيث جزء موجود في قاع الدماغ يسمى الوطّاء بالقرب من الغدة النخامية يفرز هرمونات تنبه النخامية لإطلاق هرمونات تؤدي إلى إفراز الكورتيزول والأدرينالين من الغدة الكظرية، فتهيء الجسم والعقل للتعامل مع الضغوط والانفعالات. ونتيجة ذلك تأثر استعداد الطفل للإصابة باضطرابات نفسية مستقبلاً(4).
أما بعد الولادة، فإن الخبرات التي يمر بها الطفل، من قبيل الإهمال أو التعرض للصدمات، فلربما تدفع نموه في مسار غير طبيعي، وتزيد من خطر ظهور القلق والاكتئاب في مراحل لاحقة ذات صلة بتغيرات في بنية بعض مناطق الدماغ(5)(6).
وهكذا توضح الأدلة أن الصحة النفسية تتشكل من تفاعل مستمر بين البيولوجيا والبيئة، وأن أي اضطراب مبكر في هذا التفاعل قد ينعكس على الفرد طوال حياته غالباً.
ومن هنا، يمكننا أن نفترض أن الخبرات المؤلمة التي يتعرض لها الأديب في طفولته أو قبل ميلاده حتى قد تعيث فساداً في صحته النفسية أو لنقل في رؤيته لذاته وللحياة بشكل عام. وهذا ينعكس، غالباً، وبعمق على شخصيته في نصوصه الشعرية أو الروائية أو انتاجه النّصي.
فالأديب قد يحمل هذه الخبرات في بنيته الانفعالية، فتظهر في أعماله بأساليب مختلفة؛ في نبرة حزنه، أو حدّة حساسياته، أو ميله لتصوير العزلة والقلق، أو حتى في بحثه المستمر عن معنى أو خلاص. فما بات معروفاً، في عدد من دراسات علم الأعصاب Neuroscience، أن الخبرات المبكرة تُعيد تشكيل دوائر الذاكرة والانفعال (الحُصين واللوزة)، ما يجعل الكاتب أكثر ميلاً لاستخدام الكتابة كوسيلة لتنظيم انفعالاته أو فهم عالمه الداخلي.
ولهذا نجد أن بعض الروائيين والشعراء ينسجون عوالم يغلب عليها الاضطراب، أو شخصيات تبحث عن الأمان، أو صورًا شعرية تتكرر فيها مفاهيم الفقد والتهديد. ليس لأن الأدب تقرير نفسي مباشر، بل لأن اللغة الإبداعية تصبح قناة تعبّر من خلالها الخبرات الأولى شعورياً أو لاشعورياً، عن أثرها الممتد في النفس والخيال. هكذا تلتقي العوامل البيولوجية والاجتماعية المبكرة مع الحساسية الجمالية، لتكوّن صوت الأديب الخاص وطريقته في رؤية العالم وصياغته.
وبذلك يمكن قراءة النص الأدبي بوصفه نقطة التقاء بين الأثر العصبي-النفسي للطفولة المبكرة والبنية اللاشعورية. فاللغة في النص ليست فقط وسيلة للتعبير، بل هي أيضاً أثرٌ لرحلة تكوّن الأنا منذ لحظاتها الأولى، بكل اضطراباتها ورغباتها وخساراتها.
ومن هذا المنحى النمائي، يمكن القول: إن نشأة الكاتب سيكولوجياً تُعدُّ أحد المفاتيح الجوهرية لفهم البنية العميقة للنص الأدبي. إذ يُنظر إلى الإبداع بوصفه حصيلة تفاعل معقد بين الدوافع اللاشعورية كمحرّكات عصبية تحت القشرة الدماغية، والخبرات الوجدانية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل شخصية المبدع.
فالخبرات الوجدانية المبكرة تُظهر، ولا سيما خبرات الفقد والعزلة، دوراً حاسماً في تشكيل أنماط الخيال لدى الفرد، حيث تتحوّل هذه الخبرات إلى مادةٍ نفسية يُعاد تنظيمها ـ لا شعورياً ـ عبر ما يمكن تسميته بالخيال التعويضي الذي يغذّي الفعل الإبداعي ويمنحه طاقته الرمزية.
وفي هذا السياق، لا يُفهم الإبداع بوصفه نتاج موهبةٍ محضة، بل باعتباره اشتغالاً نفسياً يعمل فيه الخيال كحيّز بديل تُستعاد داخله الرغبات غير المشبعة وتُعاد صياغة الخبرات المؤلمة في هيئة صور واستعارات(7) (8). كما تُشير تحليلات السيكولوجية إلى نصوص مختلفة إلى أن تكرار الثيمات الانفعالية في أعمال عدد من الكتّاب لا يمثّل مجرد خيار جمالي واعٍ،
بل يُعبّر عن محاولة لاشعورية لإعادة بناء توازنٍ نفسي، حيث يغدو العمل الفني والأدبي مساحةً لتنظيم الانفعال وتحويل التوتر الداخلي إلى بنية قابلة للتمثيل الرمزي (9). وبهذا المعنى، لا تكون نشأة الكاتب مجرد مسار بيولوجي أو اجتماعي معزول، بل خبرةً نفسيةً تتجسّد لغوياً، فتتحوّل الجراح إلى استعارات، والمكبوت إلى صور فنية قابلة للتداول الثقافي.
وانطلاقاً من ذلك، يُستعان بأطروحات التحليل النفسي لفهم الكيفية التي تتسرّب بها الخبرات الفردية إلى النسيج النصّي، وكيف يتفاعل الأديب مع الأحداث المحيطة به عبر اللغة والخيال. فالعلاقة بين الأدب والتحليل النفسي لا تنشأ بوصفها علاقة تفسيرٍ لاحق للنص، بل تتأسّس منذ اللحظة التي بدا فيها الأدب مرآةً تنعكس عليها توترات النفس وأقنعتها، لا مجرد بنية لغوية تُفكَّك بمنطق شكلي جامد.
ومع تطوّر التحليل النفسي، تحوّل هذا الحقل إلى أداة نقدية تُقارب النص الأدبي على نحوٍ مماثل لمقاربة الحُلم، بحثاً عمّا يتوارى في اللغة من آثار الكبت والرغبة والإزاحة الرمزية(10).
كما أسهمت القراءات اللاكانية في ترسيخ هذا المنظور، من خلال النظر إلى النص بوصفه سلسلة من الدوال التي يتجلّى فيها اللاشعور عبر الاستعارة والكناية، لا عبر المعنى الظاهر وحده (11). وبذا، يمكن القول: إن الأدب يغدو ذاته ممارسةً تحليلية غير مباشرة، تُفصح فيها الكتابة عمّا يتعذّر قوله صراحة، وتتحوّل العملية الإبداعية إلى شكل من أشكال العلاج الرمزي الذي يتيح للنفس أن تلعب داخل فضاء اللغة وتعيد تشكيل خبراتها المؤلمة في صورة قابلة للتمثيل والتداول.
وهكذا تتبدّى العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي لا بوصفها استعارة عابرة، بل حواراً معمّقاً بين اللغة واللاشعور، بين ما يُقال في النص وما يظلّ كامناً خلف القول.
وللحديث بقية…
اختصاصي بعلم نفس إكلينيكي
_________
(1) ناجي، إبراهيم. (1940). سيكولوجية الأديب. مجلة الرسالة. القاهرة. تم الاسترجاع في 6/11/2025 من https://ar.wikisource.org/wiki/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF_360/%D8%B3%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A8
(2) Monk, C., Lugo-Candelas, C., & Trumpff, C. (2019). Prenatal developmental origins of future psychopathology: Mechanisms and pathways. Annual Review of Clinical Psychology, 15, 317–344. https://doi.org/10.1146/annurev-clinpsy-050718-095539
https://www.sobranews.com/#_ftnref3(3) Teicher, M. H., & Samson, J. A. (2016). Annual research review: enduring neurobiological effects of childhood abuse and neglect. Journal of child psychology and psychiatry, 57(3), 241-266. https://doi.org/10.1111/jcpp.12507
(4) Glover, V., O’connor, T. G., & O’Donnell, K. (2010). Prenatal stress and the programming of the HPA axis. Neuroscience & Biobehavioral Reviews, 35(1), 17-22 . https://doi.org/10.1016/j.neubiorev.2009.11.008
https://www.sobranews.com/#_ftnref5(5) Teicher & Samson, 2016. مصدر سابق
(6) McLaughlin, K. A., Weissman, D., & Bitrán, D. (2019). Childhood adversity and neural development: A systematic review. Annual review of developmental psychology, 1(1), 277-312. https://doi.org/10.1146/annurev-devpsych-121318-084950
(7) Freud, S. (1959). Creative writers and day-dreaming (J. Strachey, Trans.). In The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud (Vol. 9, pp. 141–153). Hogarth Press. (Original work published 1908)
https://www.sobranews.com/#_ftnref8(8) Kris, E. (1952). Psychoanalytic explorations in art. International Universities Press.
https://www.sobranews.com/#_ftnref9(9) Freud, 1959 المصدر السابق
انظر أيضاً:
Pennebaker, J. W., & Chung, C. K. (2011). Expressive writing: Connections to physical and mental health. In H. S. Friedman (Ed.), The Oxford handbook of health psychology (pp. 417–437). Oxford University Press. Retrieved December 5, 2025, from https://c3po.media.mit.edu/wp content/uploads/sites/45/2016/01/PennebakerChung_FriedmanChapter.pdf
https://www.sobranews.com/#_ftnref10(10) فرويد، سيجموند. (1969). تفسير الأحلام، الطبعة الثانية. ترجمة: مصطفى صفوان. القاهرة: دار المعارف بمصر. (الطبعة الأصلية نُشرت 1900).
https://www.sobranews.com/#_ftnref11(11) صديق، السيد البدوي فتحي. (2022). مختارات من كتابات جاك لاكان. القاهرة: دار منهل للنشر والتوزيع. ص ص 230 – 274.
اقرأ الحلقة السابقة
https://www.sobranews.com/sobra/374255/



