المدير الوهمي (Ghost Manager)

سعيد الخباز
تُلزم الأطر التنظيمية أحيانًا الشركات بتعيين “مدير” لمجرد استيفاء متطلبات قانونية شكلية. يهتم القانون بوجود المنصب، لا بكفاءة شاغله. وهذا يخلق خللًا هيكليًا.
يُعدّ المسمى مفتاحًا قانونيًا يُرضي الجهات التنظيمية وهيئات الترخيص، حيث تطلب المدونات القانونية في بعض الدول نصب إدارات أو مناصب معينة كجزء من متطلبات الترخيص. مثالًا، في بعض خليجيات المنطقة، تُخضع لوائح التوطين الشركات لائحة قواعد تُلزِم بتعيين مواطنين على مناصب منشورة مسبقًا، حتى لو لم تكن الكفاءة الفعلية لصاحب المنصب مرتبطة بالمهنة أو بالمعرفة. كذلك، في بعض دول الاتحاد الأوروبي، تُلزم قوانين الحوكمة الشركات المُدرجة في البورصة بتشكيل مجالس إدارية أو لجان مراقبة تشريعية دون ارتباط فعلي بين الهيكل والمصلحة الإستراتيجية. هكذا تُصبح الأسماء على السجلات القانونية “أثاثًا إداريًا”، تُستخدم لتمكين الشركات من المرور عبر بوابة التراخيص أو الرخص الفنية، حتى لو كانت الممارسة الواقعية تتجاهل هذا الهيكل.
لكن المنصب فارغ عمليًا، إذ لا يستطيع شاغله القيادة أو اتخاذ القرارات أو الإشراف بفعالية. قد يُعيَّن شخص لا يملك الخبرة الفنية أو الثقافة التنظيمية المطلوبة، ويُبقَى في منصبه لتجنب الإجراءات القانونية أو التوقيفات الإدارية. في هذه الحالة، تتفاقم تكلفة التوظيف الشكلي، حيث تُستهلك موارد مالية ومحلِّية لإدارة شخص غير فعّال، بينما يظل القادة الفعليون—كالمسؤولون من مبتدئي الرتب أو المديرين الفنيين ذوي الخبرة—يُمارسون سلطات غير رسمية، ما يخلق تضاربًا في السلاسل الهرمية. مثال على ذلك: شركة تُعوِّض بتعيين مديراً تنفيذيًا شكلًا براتب ممتاز، بينما تواصل صنع القرار تدار من قِبل مدراء تقنيين متمرسين عبر قنوات تواصل غير رسمية، مما يؤدي لاحقًا إلى فوضى في توزيع المهام وتراكم التحديات الإدارية.
يتعين على المنظمة إيجاد حلول بديلة، فتنتقل السلطة الحقيقية إلى قادة غير رسميين أو نواب أو مدراء ظاهريين. هذه الظاهرة، التي تُعرف بـ “الإدارة الوهمية”، تُضعف من مرونة التنظيم وتفعيله، إذ يُصبح التكيُّف مع التحديات الخارجية أكثر تعقيدًا بغياب الشفافية في سلطة القرار. قد تلجأ بعض الشركات إلى تعزيز الربط غير الرسمي بين الأدوار، كالاعتماد على لجان عمل تابعة لرئيس مجلس إدارة عديم السطات، أو التفاهمات غير المعلنة مع المساهمين الرئيسيين. لكن هذه الحلول المؤقتة تؤدي أحيانًا إلى تضخيم المخاطر القانونية، فمثلاً، قد يتنصل المديرون الرسميون من المسؤولية في حال حدوث أزمات، مدعين أن القرارات لم تُتخذ عبر القنوات الرسمية.
هكذا تنشأ الإدارة الوهمية، ليس فقط من السياسات الداخلية، بل من تصميم تنظيمي يُعطي الأولوية للشكل على حساب الجوهر. يُعاني هذا النموذج من عيوب جوهرية، أبرزها تضييع الفرص لبناء ثقافة قيادية مبدعة، وتشجيع السلبية بين الموظفين الذين يشعرون بعدم العدالة في توزيع السلطات. كما أن غياب الرقابة على الأدوار غير الرسمية قد يُفسد القيم الأخلاقية، مثل سرقة المؤسسة لصالح مصالح جماعية أو فردية. لحل هذه الأزمات، يُقترح على الجهات التنظيمية إعادة النظر في ضوابط التعيين، لإلحاق الكفاءة بالمسمى وليس العكس، كما على الشركات أن تستثمر في تطوير مهارات المديرين الشكليين أو التخلص من الأدوار الشكلية عبر التفاوض على تخفيف المعايير القانونية. فقط حينذاك ستصبح الأطر التنظيمية أداة لممارسة الحوكمة الفعالة، وليس سجينًا للشكل دون الجوهر.



