أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

نزعة الحكمة في شعر محمد العلي

محرر صُبرةالثلاثاء 30 ديسمبر 2025، 3:48 م
نزعة الحكمة في شعر محمد العلي

نزار المصطفى

ليست الحكمة في الشعر العربي ضربا واحدًا. فتارة صرخة ذاتٍ طامحةٍ، وتارةً بناء عقلي متماسك، وتارة ـ وهي الأندر ـ ثمرة تجربة هادئة تبلغ مرحلة الصفاء والنقاء.

وفي هذا الإطار تبرز أبيات الشاعر الكبير محمد العلي وقد كتبها في ريعان شبابه، وبالتحديد سنة 1962 في النجف الأشرف، من ضمن قصيدة من عيون الشعر في ميلاد الامام الحسين، عليه السلام، بعنوان “خطيب الجراح” بوصف هذه الأبيات نموذجاً لحكمة لا تخاصم الحياة ولا تتعالى عليها، بل تفهمها من الداخل والجوهر والحقيقة.

يقول شاعرنا الكبير محمد العلي:

خطر الليل شهرزاد فقومي

قصري منه بالكلام المباح

واترعي الكأس بالسراب فإنّا

بشر مغرمون بالأشباح

مالنا واللهيب تلك هواياتُ

شبابٍ مُسيّرَ الأطماح

قد شربنا من القناعة كأساً

عِنَبيّاً يُزري بصفو الراح

وركبنا الصبر الجميل سفيناً

نتهادى لمرفأ الإصلاح

هلّلي يا جباهنا قد محونا

الفرقَ بين الذرى وبين البطاح

تنبع الحكمة في هذه الأبيات من موقف وجودي، لا من رغبة في إطلاق الأقوال المأثورة. فالشاعر لا يتكلم من موقع الواعظ ولا من منصة التفوق الأخلاقي، بل من موضع الإنسان الذي جرب ثم اختار، رغم أنه كان في ريعان شبابه.

فقوله: “قد شربنا من القناعة كأساً”؛ لا يدل على زهد قسري، بل على تذوق واعٍ بأن القناعة هنا ليست انسحاباً من العالم، بل امتلاءً داخلياً بعد مرحلة اللهيب. يستدعي العلي رمز شهرزاد، هنا لا تنفذ الجسد بالحكاية بل تنقذ الروح بالكلمة المباحة. إنها دعوة الى مواجهة الليل بوصفه زمن الفتنة والاضطراب بالكلمة المسؤولة، لابالغواية والصمت.

وهنا تتجلى حكمة الشاعر العلي في اعادة توظيف الرمز التراثي ليخدم رؤية اخلاقية معاصرة.

“بشر مغرمون بالأشباح”؛ نلمح تشخيصاً بالغ الدقة للطبيعة الإنسانية، فالإنسان ـ في رؤية العلي ـ لا يفتن بالقبح الصريح، بل يفتن بالوهم الجميل. وهذه نظرة نقدية، لكنها خالية من السخرية، أو الإدانة الفوقية.

والآن نبدأ مقارنة الشباب بين المتنبي والعلي؛ إذا قارنّا هذه النزعة بالحكمة عن الحكمة؛ وجدنا اختلافاً جوهرياً، فالمتنبي يرى الحياة ساحة صراع وتنبثق حكمته من توتر الأنا وطموحها الجامح. أما العلي فينظر الى الشباب بعين الأب الحكيم. شباب مسير الأطماح، لا لوم بل تفسير، ولا شماتة بل رحمة. وهذا الفارق يعكس انتقال الحكمة من مرحلة التحدي إلى مرحلة الفهم.

وعندما نأتي في القناعة عند أبي تمام في إطار فكري تجريدي وعند المتنبي أحياناً بوصفها اضطراراً؛ فإنها ـ عند العلي ـ تتحول إلى لذة حسية ناضجة.. “عِنبيّاً يزري بصفو الراح” وهو تصوير ينقل القناعة من حيز الأخلاق المجردة إلى حيز التجربة المعيشة. والصبر بوصفه حركة لا سكوناً، فالصبر في هذه الأبيات ليس انتظاراً سلبياً بل ركوب سفينة تمضي بهدوء نحو مرفأ الإصلاح.

إنه صبر فاعل طويل النفس بعيد عن الشعارات القوية. فهذه الأبيات نموذج نادرٌ لما يمكن تسميته بحكمة الطمأنينة، فهي ليست حكمة المنتصر، ولا المنكسر، بل حكمة من عبر التجربة.. إنها حكمة لا ترفع صوتها لكنها تبقى.